تعالى . والحاج في هذا الموقف يشعر حقا بانشداد روحي ومعنوي لا يمكن
التعبير عنه بالكلمات .
الحجيج في هذه الأرض القاحلة متجمعون بشكل واحد وبزي واحد ، قد
هربوا من بريق الحياة وزخرفها وصخبها وضجيجها ولاذوا بهذه الأرض المشرفة
المفعمة بذكريات الرسالات السماوية ، حيث يحمل نسيمها نداء جبرائيل وصوت
الخليل ودعوة النبي الخاتم ، وصحبه المجاهدين . وتنطق أرضها بصور الجهاد
والتضحية والانقطاع إلى الله على مر التاريخ . كأن هذه الأرض نافذه تشرف على
عالم ما وراء الطبيعة ، يرتوي فيها الإنسان من منهل العرفان ، وينساق مع تسبيح
الخليقة العام ، بل يعود أيضا إلى ذاته التي انفصل عنها زمنا طويلا فيعرف نفسه ،
ويعرف أنه ليس بذلك الكائن اللاهث ليل نهار وراء جمع الحطام والمتاع دون أن
يرويه شئ ، بل إنه جوهر آخر كان يجهله قبل الوقوف في عرفات . . . نعم إنها
" عرفات " وما أجمل هذا الاسم ! وما أعمق مدلوله !
3 2 - المشعر الحرام - الموقف الثاني للحجيج
وبشأن تسمية " المشعر الحرام " بهذا الاسم قيل : إنه مركز لشعائر الحج ،
ومعلم من معالم هذه العبادة العظيمة .
ومن المهم أن نفهم أن " المشعر " من مادة " الشعور " ، ففي تلك الليلة
التاريخية المثيرة " ليلة العاشر من ذي الحجة " حيث حجاج بيت الله الحرام قد
أنهوا المرحلة الأولى من هذه الدورة التربوية في عرفات واندفعوا نحو المشعر
الحرام ليقضوا ليلة يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء ، ضمن إطار أرض
محدودة الأبعاد أشبه ما تكون - وهي تموج بآلاف الحجاج - بأرض المحشر . . .
في مثل هذه الظروف الزمانية والمكانية . . . وفي إطار الالتزام بالإحرام وواجباته
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 56
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٦