تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
تعالى . والحاج في هذا الموقف يشعر حقا بانشداد روحي ومعنوي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات . الحجيج في هذه الأرض القاحلة متجمعون بشكل واحد وبزي واحد ، قد هربوا من بريق الحياة وزخرفها وصخبها وضجيجها ولاذوا بهذه الأرض المشرفة المفعمة بذكريات الرسالات السماوية ، حيث يحمل نسيمها نداء جبرائيل وصوت الخليل ودعوة النبي الخاتم ، وصحبه المجاهدين . وتنطق أرضها بصور الجهاد والتضحية والانقطاع إلى الله على مر التاريخ . كأن هذه الأرض نافذه تشرف على عالم ما وراء الطبيعة ، يرتوي فيها الإنسان من منهل العرفان ، وينساق مع تسبيح الخليقة العام ، بل يعود أيضا إلى ذاته التي انفصل عنها زمنا طويلا فيعرف نفسه ، ويعرف أنه ليس بذلك الكائن اللاهث ليل نهار وراء جمع الحطام والمتاع دون أن يرويه شئ ، بل إنه جوهر آخر كان يجهله قبل الوقوف في عرفات . . . نعم إنها " عرفات " وما أجمل هذا الاسم ! وما أعمق مدلوله ! 3 2 - المشعر الحرام - الموقف الثاني للحجيج وبشأن تسمية " المشعر الحرام " بهذا الاسم قيل : إنه مركز لشعائر الحج ، ومعلم من معالم هذه العبادة العظيمة . ومن المهم أن نفهم أن " المشعر " من مادة " الشعور " ، ففي تلك الليلة التاريخية المثيرة " ليلة العاشر من ذي الحجة " حيث حجاج بيت الله الحرام قد أنهوا المرحلة الأولى من هذه الدورة التربوية في عرفات واندفعوا نحو المشعر الحرام ليقضوا ليلة يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء ، ضمن إطار أرض محدودة الأبعاد أشبه ما تكون - وهي تموج بآلاف الحجاج - بأرض المحشر . . . في مثل هذه الظروف الزمانية والمكانية . . . وفي إطار الالتزام بالإحرام وواجباته
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 56 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي