تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
لعل قضية المباهلة بهذا الشكل لم تكن معروفة عند العرب ، بل كانت أسلوبا يبين صدق النبي وإيمانه بشكل قاطع . إذ كيف يمكن لمن لا يؤمن كل الإيمان بعلاقته بالله أن يدخل هذا الميدان ، فيطلب من معارضيه ان يتقدموا معه إلى الله يدعونه أن ينزل لعناته على الكاذب ، وأن يروا سرعة ما يحل بالكاذب من عقاب ؟ ! لاشك أن دخول هذا الميدان خطر جدا ، لأن المبتهل إذا لم يجد استجابة لدعائه ولم يظهر أي أثر لعقاب الله على معارضيه ، فلن تكون النتيجة سوى فضيحة المبتهل . فكيف يمكن لإنسان عاقل ومدرك أن يخطو مثل هذه الخطوة دون أن يكون مطمئنا إلى أن النتيجة في صالحه ؟ لهذا قيل إن دعوة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى المباهلة تعتبر واحدا من الأدلة على صدق دعوته وإيمانه الراسخ بها ، بصرف النظر عن النتائج التي كانت ستكشف عنها المباهلة . تقول الروايات الإسلامية : عند عرض هذا الاقتراح للمباهلة ، طلب ممثلو مسيحيي نجران من رسول الله أن يمهلهم بعض الوقت ليتبادلوا الرأي مع شيوخهم . فكان لهم ما أرادوا . وكانت نتيجة مشاورتهم - التي تعتمد على ناحية نفسية - هي أنهم أمروا رجالهم بالدخول في المباهلة دون خوف إذا رأوا محمدا قد حضر في كثير من الناس ووسط جلبة وضوضاء ، إذ أن هذا يعني أنه بهذا يريد بث الرعب والخوف في النفوس وليس في أمره حقيقة . أما إذا رأوه قادما في بضعة أنفار من أهله وصغار أطفاله إلى الموعد ، فليعلموا أنه نبي الله حقا ، وليتجنبوا مباهلته . وقد حضر المسيحيون إلى المكان المعين ، ثم رأوا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أقبل يحمل الحسين على يد ويمسك الحسن باليد الأخرى ومن خلفه علي وفاطمة ، وهو يطلب منهم أن يؤمنوا على دعائه عند المباهلة . وإذ رأى المسيحيون هذا المشهد استولى عليهم الفزع ، ورفضوا الدخول في المباهلة ، وقبلوا التعامل معه بشروط أهل الذمة .