تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
وهذا التعبير كاشف ومعبر عن سوء النهاية المذلة لهؤلاء ، إذ جاء التعبير أولا بالخرطوم الذي يستعمل للفيل وللخنزير فقط ، وهو دلالة واضحة في تحقيرهم . وثانيا : أن الأنف في لغة العرب غالبا ما يستعمل كناية عن العزة والعظمة ، كما يقال للفارس حين إذلاله : مرغوا أنفه بالتراب ، كناية عن زوال عزته . وثالثا : أن وضع العلامة تكون عادة للحيوانات فقط ، بل حتى بالنسبة إلى الحيوانات فإنها لا تعلم في وجوهها - خصوصا أنوفها - أضف إلى ذلك أن الإسلام قد نهى عن مثل هذا العمل . ومع كل ما تقدم تأتي الآية الكريمة ببيان معبر واف وواضح أن الله تعالى سيذل هؤلاء الطغاة الذين امتلؤا عجبا بذواتهم ، المتمادين في عنادهم وإصرارهم على الباطل ، وتجاوزهم على الرسول والرسالة . . سيذلهم بتلك الصورة التي تحدثت عنها الآية ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ليكونوا موضع عبرة للجميع . إن التاريخ الإسلامي ينقل لنا كثيرا من صور الإذلال والامتهان لأمثال هذه المجموعة المخالفة للحق المعاندة في ضلالها ، المكابرة في تمسكها بالباطل ، بالرغم من تقدم الرسالة الإسلامية وقوتها وانتصاراتها ، كما أن فضيحتهم في الآخرة ستكون أدهى وأمر . قال بعض المفسرين : إن أكثر آيات هذه السورة كان يقصد بها ( الوليد بن المغيرة ) أحد رموز الشرك الذي واجه الإسلام وتعرض لرسوله الأمين محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أن من المسلم به أن هذا القصد ، لا يمنع من تصميم وتوسعة مفهوم الآيات الكريمة وشموليته ( 1 ) .
هامش
1 - قال البعض : إن وضع العلامة على الأنف قد تحقق عمليا في غزوة بدر ، حيث وجهت ضربات إلى أنوف بعض سادات الكفر وكبرائهم ، وقد بقيت آثارها على أنوفهم ، وإذا كان المقصود في ذلك ( الوليد بن المغيرة ) فقد توفي بذل قبل غزوة بدر . وجاء في الخطبة المعروفة للإمام علي بن الحسين ( عليه السلام ) في مسجد الشام قوله : " أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله إلا الله " يقصد الإمام علي ( عليه السلام ) بحار الأنوار ، ج 45 ، ص 138 . إن لهذا التعبير وبلحاظ ما جاء في الآية مورد البحث ، حيث يقول تعالى : ( سنسمه على الخرطوم ) دلالة في غاية اللطف والروعة ، حيث يرينا أن الإرادة الإلهية قد تحققت على يد عبده المخلص علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 536 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي