فمن جهة . . يعد إعطاء هذا الولد لإبراهيم وزوجه وهما في مرحلة الكبر
واليأس من الإنجاب تأكيدا على كون الأرزاق مقدرة كما أشير إلى ذلك في
الآيات المتقدمة .
ومن جهة أخرى يعد دليلا آخر على قدرة الحق وآية من آيات معرفة الله
التي ورد البحث عنها في الآيات آنفا .
ومن جهة ثالثة يعد بشرى للأمم المؤمنة بأنها في رعاية الحق - كما أن
الآيات التالية تتحدث عن عذاب قوم لوط وهي في الوقت ذاته تهديد للمجرمين .
ففي البدء يوجه الله سبحانه الخطاب لنبيه فيقول : هل أتاك حديث ضيف
إبراهيم المكرمين ( 1 ) .
والتعبير ب " المكرمين " إما لأن هؤلاء الملائكة كانوا مأمورين من قبل الحق ،
وقد ورد التعبير عنهم في الآية ( 26 ) من سورة الأنبياء أيضا بمثل هذا - بل هم
عباد مكرمون أو لأن إبراهيم ( عليه السلام ) أكرمهم ، أو للوجهين معا .
ثم يبين القرآن حالهم فيقول : إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم
منكرون ( 2 ) .
قال بعضهم : جملة أنهم " قوم منكرون " لم يصرح بها إبراهيم ، بل حدث بها
نفسه لأن هذا الكلام لا ينسجم مع وافر الاحترام للضيف الكرام .
إلا أنه كما هو المعتاد قد يقول المضيف للضيف في حال الاحترام والترحيب :
" لا أدري أين التقيت بك من قبل - أو يبدو انك غريب . . "
هامش
1 - " الضيف " له معنى وصفي ، ويطلق على المفرد كما يطلق على الجمع أيضا . . ولذلك فقد وصف بالمكرمين ، وما قاله
بعضهم إنه مصدر ولا يثنى ولا يجمع فلا يبدو صحيحا . ولكن كما يقول الزمخشري في الكشاف حيث إنه كان في الأصل
مصدرا وبعد أن أصبح ذا معنى وصفي فإنه استعمل في المفرد والجمع معا ، فلاحظوا بدقة .
2 - سلاما منصوب بفعل محذوف وتقديره : نسلم عليكم سلاما : أما سلام فهو مبتدأ وخبره محذوف وأصله عليكم سلام
أو سلام عليكم فكأن إبراهيم أراد أن يحيهم بأحسن من تحيتهم ، لأن الجملة الإسمية تدل على الثبات والدوام تفسير
الكشاف ، ج 4 ، ص 401 .