تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
الثمار من الشجرة - أي القطف - وكذلك في قطع نفس الشجرة ، إلا أنه استعمل فيما بعد في القيام بكل عمل سئ ، وربما كان سبب هذا الاستعمال هو أن هذه الأعمال تفصل الإنسان عن ربه وعن القيم الإنسانية ، وتبعده عنهما . لكن من المسلم هنا أنه لا يريد كل المجرمين ، وإنما المراد هم المجرمون الذين اتخذوا سبيل الكفر سبيلا لهم ، بقرينة ذكر مسألة الخلود والعذاب الخالد ، وبقرينة المقارنة بالمؤمنين الذين مر الكلام عنهم في الآيات السابقة . ويبدو بعيدا ما قاله بعض المفسرين من أنها تشمل كل المجرمين . ولما كان من الممكن أن يخفف العذاب الدائمي بمرور الزمان ، وتقل شدته تدريجيا ، فإن الآية التالية تضيف : لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ، وعلى هذا فإن عذاب هؤلاء دائم من ناحيتي الزمان والشدة ، لأن الفتور يعني السكون بعد الحدة ، واللين بعد الشدة ، والضعف بعد القوة كما يقول الراغب في مفرداته . " مبلس " من مادة " إبلاس " ، وهي في الأصل الحزن الذي يصيب الإنسان من شدة التأثر والانزعاج ، ولما كان هذا الهم والحزن يدعو الإنسان إلى السكوت ، فقد استعملت مادة الإبلاس بمعنى السكوت والامتناع عن الجواب أيضا . ولما كان الإنسان ييأس من خلاص نفسه ونجاته في الشدائد العصيبة ، فقد استعملت هذه المادة في مورد اليأس أيضا ، ولهذا المعنى سمي " إبليس " إبليس ، إذ أنه آيس من رحمة الله . على أية حال ، فإن هاتين الآيتين قد أكدتا على ثلاث مسائل : مسألة الخلود ، وعدم تخفيف العذاب ، والحزن واليأس المطلق . وما أشد العذاب الذي تمتزج فيه هذه الأمور الثلاثة وتجتمع . وتنبه الآية التالية إلى أن هؤلاء هم الذين أرادوا هذا العذاب الأليم ، واشتروه بأعمالهم وبظلمهم لأنفسهم ، فتقول : وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين . فكما أن الآيات السابقة قد بينت أن منبع كل تلك النعم اللامتناهية هي أعمال
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 98 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي