تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
" المنة " كما بينا سابقا من مادة " المن " ومعناه الوزن الخاص الذي يوزن به ، ثم استعمل هذا اللفظ على كل نعمة غالية وثمينة ، والمنة على نوعين : فإذا كان فيها جانب عملي كعطاء النعمة والهبة فهي ممدوحة ، ومنن الله من هذا القبيل ، وإذا كان فيها جانب لفظي ، كمن كثير من الناس بالقول بعد العمل ، فهي قبيحة وغير محبوبة ! الطريف أن صدر الآية يقول " يمنون عليك أن أسلموا " وهذا تأكيد آخر على أنهم غير صادقين في إيمانهم . وفي ذيل الآية يأتي التعبير قائلا : بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين . وعلى كل حال فهذه مسألة مهمة أن يتصور قاصروا التفكير غالبا أنهم بقبول الإيمان وأداء العبادات والطاعات يقدمون خدمة لساحة قدس الله أو للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأوصيائه ، ولذلك فهم ينتظرون الثواب والأجر . في حين أنه لو أشرق نور الإيمان في قلب أحد ، ونال هذا التوفيق بأن كان في زمرة المؤمنين ، فقد شمله لطف عظيم من الله عز وجل . فالإيمان وقبل كل شئ يمنح الإنسان إدراكا جديدا عن عالم الوجود ، ويكشف عنه حجب الأنانية والغرور ، ويوسع عليه أفق نظرته ، ويجسد له عظمة خلقه في نظره ! انه يلقي على عواطفه النور والضياء ويربيها ويحيي في نفسه القيم الإنسانية ، وينمي استعداداته العالية فيه ، ويمنحه العلم والقوة والشهامة والإيثار والتضحية والعفو والتسامح والإخلاص ، ويجعل منه انسانا قويا ذا عطاء وثمر بعد أن كان موجودا ضعيفا . إنه يأخذ بيده ويصعد به في مدارج الكمال إلى قمة الفخر ، ويجعله منسجما مع عالم الوجود ، ويسخر عالم الوجود طوع أمره !