تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وبالعظيم في الآية التالية ، فكل منها يناسب نوعية جرم هؤلاء وكيفيته . وتوضح الآية التالية العذاب المهين ، فتقول : من ورائهم جهنم . إن التعبير بالوراء مع أن جهنم أمامهم وسيصلونها في المستقبل ، يمكن أن يكون ناظرا إلى أن هؤلاء قد أقبلوا على الدنيا ونبذوا الآخرة والعذاب وراء ظهورهم ، وهو تعبير مألوف ، إذ يقال للإنسان إذا لم يهتم بأمر ، تركه وراء ظهره ، والقرآن الكريم يقول : إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ( 1 ) . وقال جمع من المفسرين أيضا : إن كلمة ( وراء ) من مادة المواراة ، وتقال لكل شئ خفي على الإنسان وحجب عنه ، سواء كان خلفه ولا يراه ، أم أمامه لكنه بعيد لا يراه ، وعلى هذا فإن لكلمة ( وراء ) معنى جامعا يطلق على مصداقين متضادين ( 2 ) . وليس ببعيد إذا قلنا : إن التعبير بالوراء إشارة إلى مسألة العلة والمعلول ، فمثلا نقول : إذا تناولت الغذاء الفلاني غير الجيد فستمرض بعد ذلك ، أي إن تناول الغذاء يكون علة لذلك المرض ، وهنا أيضا تكون أعمال هؤلاء علة لعذاب الجحيم المهين . وعلى أية حال ، فإن الآية تضيف مواصلة الحديث أن هؤلاء إن كانوا يظنون أن أموالهم الطائلة وآلهتهم التي ابتدعوها ستحل شيئا من أثقالهم ، وأنها ستغني عنهم من الله شيئا ، فإنهم قد وقعوا في اشتباه عظيم ، حيث : ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء . ولما لم يكن هناك سبيل نجاة وفرار من هذا المصير ، فإن هؤلاء يجب أن يبقوا في عذاب الله ونار غضبه : ولهم عذاب عظيم .
هامش
1 - سورة الدهر ، الآية 27 . 2 - قال البعض أيضا : إن كلمة ( وراء ) إن أضيفت إلى الفاعل أعطت معنى الوراء ، وإن أضيفت إلى المفعول أعطت معنى الأمام . روح البيان ، المجلد 8 ، صفحة 439 . لكن لا دليل على هذا المدعى .