تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
و " الأثيم " من مادة إثم ، أي المجرم والعاصي ، وتعطي أيضا صفة المبالغة . ويتضح من هذه الآية جيدا أن الذين يقفون موقف الخصم العنيد المتعصب أمام آيات الله سبحانه هم الذين غمرت المعصية كيانهم ، فانغمسوا في الذنوب والآثام والكذب ، لا أولئك الصادقون الطاهرون ، فإنهم يذعنون لها لطهارتهم ونقاء سريرتهم . ثم تشير الآية التالية إلى كيفية اتخاذهم لموضع الخصام هذا ، فتقول : يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ( 1 ) ولهذا فإنه بحكم تلوثه بالذنب والكذب ، والغرور والكبر والعجب ، يمر كأن لم يسمع كل هذه الآيات ، وكأنه أصم أو أنه يعتبر نفسه كذلك ، كما ورد لك في الآية ( 7 ) من سورة لقمان : وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا . وتهدده الآية في نهايتها بالعذاب الشديد ، فتقول : فبشره بعذاب أليم فكما أنه آذى قلب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمؤمنين وآلمهم ، فإننا سنبتليه بعذاب أليم أيضا ، لأن عذاب القيامة تجسم لأعمال البشر في الحياة الدنيا . وبالرغم من أن بعض المفسرين ذكر سبب نزول لهذه الآية والآية التي تليها ، واعتبروهما إشارة إلى أبي جهل أو النظر بن الحارث ، ذلك أنهم كانوا قد جمعوا قصصا وأساطير من العجم ليلهوا بها الناس ويصرفوهم عن دين الحق . لكن من الواضح أن هذه الآية لا تختص بهم ، بل ولا بمشركي العرب أيضا ، فهي تشمل كل المجرمين الكاذبين المستكبرين في كل عصر وزمان ، وكل الذين يصرون كأن لم يسمعوا آيات الله سبحانه ونداءات الأنبياء وكلمات الأئمة والعظماء ، لأنها لا تنسجم مع شهواتهم وميولهم ورغباتهم المنحرفة ، ولا تؤيد أفكارهم الشيطانية ، ولا توافق عاداتهم الخاطئة وأعرافهم البالية وتقاليدهم العمياء .
هامش
1 - يمكن أن تكون عبادة ( يسمع آيات الله ) جملة مستأنفة ، أو هي وصف آخر ل‍ ( كل ) .