2 - إن الآيات أعلاء تبين بوضوح أن القرآن الكريم لا يختص بطبقة خاصة أو
قوم معينين ، بل هو لإفهام الجميع وتذكيرهم وإثارة تفكرهم ، وعلى هذا ، فإن
أولئك الذين يجعلون القرآن مجموعة من المفاهيم المبهمة الألغاز المحيرة التي لا
يفهمها ولا يعلمها إلا طبقة خاصة ، بل وحتى هذه الطبقة لا تفهم منه شيئا ولا تدرك
أبعاده ، غافلون في الحقيقة عن روح القرآن .
إن القرآن يجب أن يحيا بين الناس ويحضر بينهم حيثما كانوا ، في المدينة
والقرية ، في الخلاء والملأ ، في المدار الابتدائية والجامعات ، في المسجد وميادين
الحرب ، وفي كل مكان يوجد فيه إنسان ، لأن الله سبحانه قد يسره ليتذكر الجميع
ويقتبسوا من أنواره ما يضيؤون به حياتهم .
وكذلك قضت هذه الآية ببطلان أفكار أولئك الذين حبسوا القرآن في إطار
طريقة تلاوته وقواعد تجويده وتعقيداتها ، وأصبح همهم الوحيد أداء ألفاظه من
مخارجها ، ومراعاة آداب الوقف والوصل فتقول لهم : إن كل ذلك من أجل التذكر
الذي يكون عامل حركة وباعثا على العمل في الحياة ، فإن رعاية ظواهر الألفاظ
صحيح في محله ، إلا أنه ليس الهدف النهائي ، بل الهدف هو فهم معاني
القرآن لا ألفاظه .
3 - ورد في حديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لولا تيسيره لما قدر أحد من خلقه
أن يتلفظ بحرف من القرآن ، وأنى لهم ذلك وهو كلام من لم يزل ولا يزال " ( 1 ) .
اللهم اجعلنا ممن يتعظ بالقرآن العظيم ، ويتذكر ويتدبر فيه ، ويجعل حياته في
جميع أبعادها تبعا لمفاهيمه وأحكامه .
اللهم امنحنا من ذلك الأمن الذي وهبته المتقين ، فجعلتهم مطمئنين موقنين
هامش
1 - تفسير روح البيان ، المجلد 8 ، صفحة 433 .