إذا تركه الإنسان درك في النّار لو سقطت حصاة من تلك الدّرجة لوقعت على خطّ استواء على ذلك الدّرك ، فإذا سقط الإنسان من العمل بما أُمر فلم يعمل كان ذلك التّرك لذلك العمل عين سقوطه إلى ذلك الدّرك . قال الله سبحانه : «
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
» ، « 1 » فإنّ الاطّلاع على الشّيء إنّما يكون من أعلى إلى أسفل ، والسّواء حدّ الموازنة على الاعتدال ؛ فما رآه إلّا في ذلك الدّرك الّذي في موازنة درجته ، فإنّ العمل الّذي نال به هذا الرّجل تلك الدّرجة تركه هذا الرّجل الآخر الّذي كان قرينه في الدّنيا بعينه ؛ فانظر هذا العدل الإلهيّ ما أحسنه » . « 2 »
ولمّا كان الموحّد منعه التّوحيد أن يكون من أهل النّار ، والمشرك قطع به الشّرك من دار الكرامة ، فإنّ الجنّة خير لا شرّ فيها ، فجميع جزاء علم المشرك وعمله وقوله الّذي لو كان موحّداً جوزي « 3 » عليه في الجنّة بحسبه يعطى للموحّد الجاهل بذلك العمل المفرّط في ذلك العمل التّارك لذلك القول ، وجميع جزاء جهل الموحّد وتفريطه وتركه لذلك القول الّذي لو كان مشركاً لحصل له في النّار يعطى لذلك المشرك الّذي لا حظّ له في الجنّة ؛ فإذا رأى المشرك ما كان يستحقّه - لو كان سعيداً - يقول : يا ربّ هذا لي وهو جزاء عملي ؟ فيقول الله تعالى : قد جازيتك على ذلك كلّه بما أنعمتُ به عليك من كذا وكذا ، فيقرّر عليه جميع ما أنعمه عليه في الدّنيا جزاء لمكارم أخلاقه والقول بها والتحريص عليها والعلم بمواقعها ، دون نعمه الممتنّة عليه في خلقه المبتدأة الّتي ليست بجزاء ، فيزنها المشرك هنا لك بما كشف الله له من علم الموازنة ، فيقول : صدقتَ ، فيقول الله تعالى له : فما نقصتُ لك من جزائك شيئاً . والشّرك قطع بك من دخول دار الكرامة ، فتنزل فيها على موازنة هذه الأعمال ، ولكن أنزل من النّار على
هامش
( 1 ) - الصافّات : 55 .
( 2 ) - الفتوحات المكّيّة : 2 / 679 ، باب 296 .
( 3 ) - في ب ، أ : جوزي به .