تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
أخيرا ، ثم يغمضون عيونهم ويسيرون باتجاه مستقبل مظلم موحش . جملة حيل بينهم وبين ما يشتهون ، فسرت بتفسيرين : الأول : هو ما عرضناه سابقا . الثاني : أنه حيل بينهم وبين رغبتهم في الإيمان وجبران ما فاتهم . . غير أن التفسير الأول ينسجم أكثر مع جملة ما يشتهون . فضلا عن أن جملة أنى لهم التناوش من مكان بعيد قد تعرضت إلى قضية عدم تمكنهم من الإيمان عند الموت وعذاب الاستئصال كما ذكرنا ، فلا يبدو أن هناك داعيا للتكرار . من الجدير بالذكر أيضا أن كثيرا من مفسري هذه الآية اعتبروا هذه الآيات مما يخص الحديث في عقوبات الآخرة وندامة المسيئين في المحشر ، ولكن الآية الأخيرة وبالأخص جملة كما فعل بأشياعهم من قبل لا تنسجم مع هذا المعنى ، بل إن المقصود هو لحظة الموت ومشاهدة عذاب الفناء . وما أجمل ما يقول أمير المؤمنين علي ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) حينما يصوغ بكلماته النورانية وصفا للحظات فراق الروح لعالم الدنيا ، ومفارقة نعمها : " اجتمعت عليهم سكرة الموت ، وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم ! ثم زاد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله ، ينظر ببصره ويسمع باذنه . . . يفكر فيم أفنى عمره ؟ وفيم أذهب دهره ؟ ويتذكر أموالا جمعها ، أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرحاتها ومشبهاتها ! . . . فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 496 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي