القيامة ، غير أن آخر هذه الآية ، يشير إلى أن هذه الآيات جميعها تتحدث عن
الدنيا وعذاب الاستئصال ، أو لحظة تسليم الروح ، إذ يقول تعالى في الآية الأخيرة
من هذا المقطع وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل وهذا
التعبير لا ينسجم مع يوم القيامة . لأن الجميع يجمعون في ذلك اليوم للحساب ، كما
تشير إلى ذلك الآية ( 102 ) من سورة هود ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم
مشهود .
وفي الآيتين 49 - 50 من سورة الواقعة أيضا نقرأ قل إن الأولين والآخرين
لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم .
وعليه فإن المقصود من جملة أخذوا من مكان قريب هو أن هؤلاء الأفراد
الكافرين والظالمين ، ليس فقط لا يمكنهم الفرار من يد القدرة الإلهية فحسب ، بل
إن الله سبحانه وتعالى يأخذهم بالعذاب من مكان قريب منهم جدا .
ألم يدفن الفراعنة في أمواج النيل الذي كان المصدر الأساس لفخرهم ، ألم
تنخسف الأرض بقارون وكنوزه ، و " قوم سبأ " الذين مرت بنا قصتهم في هذه
السورة ألم يحيق بهم الهلاك أقرب الأمكنة لهم ، وهو ذلك السد العظيم الذي كان
سبب عمران بلادهم وسبب حياتهم وحركتهم ؟ لذا فإنه الله يأخذ بالعذاب من
أقرب الأماكن حتى يعلم مدى قدرته وسطوته .
فأكثر السلاطين الظلمة قتلوا على أيدي أقرب أفراد حواشيهم ، وأغلب
المتسلطين الجبابرة تلقوا الضربة الأخيرة من داخل قصورهم .
ولو لاحظنا ما ورد في الكثير من الروايات من طرق السنة والشيعة ، لرأينا أن
لهذه الآية مصداقا في أحاديث " السفياني " ( مجموعة على خط أبي سفيان
وعصارة عصر الجاهلية يخرجون على أتباع الحق في عصر ظهور المهدي ( عليه السلام ) ) .
حيث أن السفياني وجيشه تخسف بهم الصحراء وسط الطريق إلى مكة ، وذلك في
الحقيقة واحد من مصاديق الآية واخذوا من مكان قريب . حيث أنهم وقعوا في
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 493
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٩٣