تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
( 28 ) من سورة الأنعام تعبر عنهم قائلة : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون . " التناوش " من مادة " نوش " - على زنة خوف - بمعنى التناول ، وبعضهم اعتبروا أنها بمعنى " التناول بسهولة " أي كيف يتناولون الإيمان من مكان بعيد ولم يكونوا يتناولونه من قريب ؟ كيف يستطيعون الآن وبعد أن انتهى كل شئ ، أن ينبروا لجبران خطاياهم ويؤمنوا ، في حين أنهم قبل هذا كفروا مع أنهم كانوا يتمتعون بالاختيار والإرادة : وقد كفروا به من قبل . ولم يكتفوا بالكفر فقط ، بل إنهم ألصقوا بالرسول ( صلى الله عليه وآله ) وبتعاليمه مختلف أنواع التهم ، وحكموا أحكاما خاطئة فيما يخص ( عالم الغيب - والقيامة - والنبوة ) : ويقذفون بالغيب من مكان بعيد . " القذف " - كما قلنا - الرمي من بعيد ، و " الغيب " هو عالم ما وراء الحس ، والجملة كناية لطيفة عمن يطلق أحكامه على عالم ما وراء الطبيعة بلا سابق علم أو معرفة ، كمن يرمي شيئا من نقطة بعيدة ، فقلما يصيب الهدف ، فظنونهم وأمانيهم وأحكامهم لا تصيب أهدافها أيضا . فقد عدوا الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ( ساحرا ) حينا ، وحينا ( مجنونا ) وآخر ( كذابا ) ، وحينا اعتبروا القرآن " نتاجا فكريا بشريا " . ومرة أنكروا الجنة والنار والقيامة بشكل كلي ، كل هذه أنواع " للرجم بالغيب " أو " اصطياد الطيور في ظلام الليل " أو بعبارة أخرى " القذف من مكان بعيد " . ثم يضيف تعالى : وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ففي لحظة مؤلمة ، فصل بينهم وبين كل ثرواتهم وأموالهم ، وقصورهم ومقاماتهم ، وأمانيهم ، فكيف سيكون حالهم ؟ هؤلاء الذين كانوا يعشقون الدرهم والدينار ، والذين كانت قلوبهم لا تطاوعهم في التخلي عن أبسط الإمكانات المادية . . كيف سيكون حالهم في تلك اللحظة التي يجب عليهم فيها أن يودعوا كل ذلك وداعا