ولا يريد جزاءا على ما يعطيه لأنه غني بذاته . ويعطي ابتداء ، لأنه حكيم وعالم
بكل شئ . بل الحقيقة أنه ليس من رزاق غيره ، لأن أي معط إنما يعطي مما رزقه
الله ، وبذا فهو ليس سوى " واسطة انتقال " لا رزاقا .
وكذلك فهو تعالى يعطي النعم الباقية قبال المال الفاني ، والكثير مقابل القليل .
ولأن فريقا من الأثرياء الظالمين الطغاة كانوا في صف المشركين ، وادعوا
بأنهم يعبدون الملائكة وأنهم شفعاؤهم يوم القيامة ، فقد رد القرآن على هذا
الادعاء الباطل فقال : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا
يعبدون .
بديهي أن هذا السؤال ليس من باب الاستفهام عن الجواب ، لأن الله تعالى عالم
بكل شئ ، ولكن الهدف هو أن تظهر الحقائق من إجابة الملائكة ، لكي يخسأ
هؤلاء الضالون ويخيب ظنهم ، ويعلموا بأن الملائكة متنفرين من أعمالهم ،
فيصيبهم اليأس إلى الأبد .
ذكر ( الملائكة ) من بين المعبودات التي كان المشركون يعبدونها ، إما لأن
الملائكة أشرف المخلوقات التي عبدها الضالون ، والتي لم يحصلوا على شفاعتها
يوم القيامة ، فماذا يستطيعون الحصول عليه من حفنة من الحجر أو الأخشاب أو
الجن أو الشياطين ! ؟
أو أنه من قبيل أن عبدة الأوثان كانوا يعتقدون بأن الأحجار والأخشاب هي
مظهر ونموذج لموجودات علوية ( كالملائكة وأرواح الأنبياء ) ، ولذا عبدوها .
فكما ورد في تاريخ الوثنية عند العرب " إن سبب حدوث عبادة الأصنام في
العرب ، هو أن " عمرو بن لحي " مر بقوم بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم
فقالوا له : هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصر بها ونستسقي .
فتبعهم وأتى بصنم معه إلى الحجاز وسول للعرب فعبدوه واستمرت عبادة الأصنام
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 469
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٦٩