بالمانع ، فلا تصل إلى النتيجة النهائية ( فلاحظوا بدقة ) ! .
ثم يتحدث القرآن في الآية التالية عن هذه الحقيقة : وهي أن الله إذا لم يعجل
في عقابكم ، فذلك بفضله وبرحمته ، حيث يمهل عباده الإمهال الكافي لإصلاح
أنفسهم ، فيقول : وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون .
وإذا كانوا يتصورون أن تأخير العقاب لعدم علم الله سبحانه لما يدور في
خلدهم من نيات سيئة وأفكار ضالة ، فهم في غاية الخطأ : وإن ربك ليعلم ما
تكن صدورهم وما يعلنون ( 1 ) .
فهو يعلم خفاياهم بمقدار ما يعلم من ظاهرهم وما يعلنون ، والغيب والشهادة
عنده سيان .
فهذه المفاهيم هي من نتاج علمنا المحدود ، وإلا فهي في مقابل غير
المحدود تفقد معانيها وتتلاشى حدودها .
وهنا ذكر " علم الله بما تكن القلوب " مقدما على علمه بالأفعال الخارجية ،
ولعل ذلك هو بسبب أهمية النيات والإرادة ! كما يمكن أن يكون التقديم لأن
الأفعال الخارجية ناشئة عن النيات الداخلية ، والعلم بالعلة مقدم على العلم
بالمعلول ! .
ثم يضيف القرآن قائلا : إنه ليس علم الله منحصرا بما تكن القلوب وما تعلن ،
بل علمه واسع مطلق ! وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ( 2 ) .
وواضح أن " الغائبة " لها معنى واسع ، فهي تحمل في مفهومها كل ما خفي
عن حسنا وغاب . . . وتشمل أعمال العباد الخفية والنيات الباطنية ، وأسرار
هامش
1 - " تكن " مأخوذ من كن على وزن جن ، وهذا الفعل يطلق على ما تستر فيه الأشياء وتحفظ ، وهنا كناية عن ما
يخطر في قلوب الكفار من خواطر وأفكار عدوانية ! . .
2 - " الغائبة " اسم فاعل مشتق يدل على الوصف ، وكما يعتقد بعضهم " التاء " ليست في هذه الكلمة للتأنيث ، بل هي
إشارة للأشياء المخفية ، فهي للمبالغة في الخفاء . . . إلا أنه لا مانع من أن نحتمل أن التاء للتأنيث ، وأن موصوفها
محذوف ، وتقديره : وما من خصلة غائبة . أو أشياء غائبة ، والله العالم . .