بدلا من أن تأتيهم بدليل ، هددتهم بعذاب الله الذي شمل من سبقهم من الكفار ،
وأنذرتهم بعقابه المخزي . . . فوجهت الخطاب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) قائلة : قل سيروا في
الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين .
فأنتم تعترفون أن هذه الوعود تلقاها أسلافكم ، فلم يكترثوا بها ، ولم يروا
ضررا . . فهلا سرتم في الأرض قليلا ، لتشهدوا آثار هؤلاء المجرمين المنكرين
للتوحيد والمعاد ، وخاصة الآثار في المناطق القريبة من الحجاز . . . لتنظروا أن
الأمر ليس كما تزعمون .
ولكن سيحين موعدكم فلا تعجلوا . . . فأنتم كأولئك ستواجهون المصير
المحتوم والعاقبة المخزية إذا لم تصلحوا أنفسكم ! .
والقرآن دعا مرارا إلى السير في الأرض ، ومشاهدة آثار الماضين ، والمدن
الخاوية الخربة التي حاق بأهلها سوء العذاب ، وقصور الظالمين المتداعية ،
والقبور الدارسة والعظام النخرة ، والأموال التي خلفها أصحابها المغرورون ! !
إن مطالعة تلك الآثار التي تعبر عن التأريخ الحي لأولئك الماضين ، توقظ
القلوب الغافلة ! وتبصرها بالحق . . . والواقع كذلك ، فإن مشاهدة واحد من هذه
الآثار يترك في القلب أثرا لا تتركه مطالعة عدة كتب تأريخية ! .
( كان لنا بحث مفصل في هذا المجال ذيل الآية 137 من سورة آل عمران ) .
مما ينبغي ملاحظته أنه جاء في هذه الآية التعبير ب " المجرمين " بدلا من
" المكذبين " . . . وهو إشارة إلى أن تكذيبهم لم يكن لأنهم أخطأوا في التحقيق ، بل
أساسه العناد واللجاجة . وتلوثهم بأنواع الجرائم !
وحيث أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كان يشفق عليهم لإنكارهم ، ويحزن لعنادهم ،
ويحترق قلبه من أجلهم ، إذ كان حريصا على هدايتهم ، وكان يواجه مؤامراتهم
أيضا . . فإن الآية التالية تسري عن قلب النبي فتقول له : ولا تحزن عليهم ولا
تقلق من مؤامراتهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 121
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٢١