تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
هذا التعبير عادة بالنسبة إلى الأشخاص المهوسين من شدة الحسرة والأسف ، كما في المثل العربي ، لأن الإنسان في مثل هذه الحالات لا يعض الإصبع دائما ، بل يعض ظاهر اليد أحيانا ، وكثيرا ما يقال - كما في الآية الآية مورد البحث - " يديه " يعني كلتا اليدين حيث تبين شدة الأسف والحسرة بنحو أبلغ . وهذا العمل يصدر من هؤلاء الأشخاص حينما يطلعون على ماضيهم ، ويعتبرون أنفسهم مقصرين ، فيصممون على الانتقام من أنفسهم بهذا الشكل لتهدئة سورة الغضب في نفوسهم والشعور بالراحة . وينبغي حقا ، أن يسمى ذلك اليوم يوم الحسرة كما ورد هذا الوصف بالذات في القرآن ليوم القيامة أيضا ( سورة مريم الآية 39 ) ، ذلك لأن المجرمين يرون أنفسهم في أتعس حال بين يدي الحياة الخالدة ، في الوقت الذي كانوا يستطيعون خلال أيام من الصبر والاستقامة ومجاهدة النفس والإيثار أن يستبدلوا ذلك بحياة مشرفة وسعيدة ، وهو يوم أسف أيضا حتى بالنسبة إلى المحسنين ، فهم يأسفون على أنهم : لماذا لم يحسنوا أكثر . ثم يضيف القرآن الكريم أن هذا الظالم المعتدي الغارق في عالم الأسف ، يقول : يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا . ( 1 ) واضح أن المقصود ب‍ " فلان " هو ذلك الذي أضله : الشيطان أو صديق السوء أو القريب الضال ، وفرد مثل " أبي " ل‍ " عقبة " الذي ورد في سبب النزول . هذه الآية - والآية التي قبلها - تعرضان حالتي نفي وإثبات متقابلتين في مكان واحد ، يقول تعالى : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، وهنا يقول : . . . ليتني لم أتخذ فلانا خليلا حيث كانت التعاسة كلها في ترك الارتباط بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقبول الارتباط بهذا الخليل الضال .
هامش
1 - " خليل " تطلق بمعنى الصديق الخاص الحميم حيث يجعله الإنسان مشاورا لنفسه . وللخليل معان أخرى أيضا قد أوردناها في ذيل الآية ( 125 ) من سورة النساء .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 240 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي