تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
تقول بمنطق واضح وبسيط ، وفي نفس الوقت قاطع وداحض : واتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون . المعبود الحقيقي هو خالق عالم الوجود ، ولا يدعي المشركون هذا الادعاء لأوثانهم ، بل يعتقدون أنها مخلوقة لله . وبعد ، فماذا يمكن أن تكون دوافعهم لعبادة الأوثان التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا ، فما بالك بما تستطيعه للآخرين ! ؟ ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . والأصول المهمة عند الإنسان هي هذه الأمور الخمسة بالذات : النفع والضر ، والموت ، والحياة ، والنشور . فمن يكن بحق مالكا أصيلا لهذه الأمور ، يكن بالنسبة إلينا جديرا بالعبادة . لكن هذه الأصنام غير قادرة أصلا على هذه الأمور لنفسها ، فكيف تريد أن توفر هذه الأمور لمن يعبدها من المشركين ؟ ! أي منطق مفتضح هذا ! ؟ أن ينقاد الإنسان ويتذلل على أعتاب موجود لا اختيار له في نفسه ، فما بالك باختياره للآخرين ! ؟ هذه الأوثان ليست عاجزة في الدنيا عن حل مشكلة ما لعبدتها فحسب ، بل إنها لا يؤمل منها شئ في الآخرة أيضا . هذا التعبير يدل على أن هذه الفئة من المشركين ، المخاطبة في هذه الآيات ، كانت تقبل بالمعاد نوعا من القبول ( المعاد الروحي لا الجسدي ) ، أو أن القرآن - حتى مع عدم اعتقادهم بمسألة المعاد - يتناول القضية كمسلمة ، فيخاطبهم بشكل قاطع على هذا الصعيد ، وهذا مألوف ، فالإنسان أحيانا يكون أمام شخص منكر للحقيقة ، لكنه يدلي بكلامه طبقا لأفكاره هو ، دون اعتناء بأفكار ذلك المنكر . خاصة وأن دليلا ضمنيا على المعاد قد كمن في نفس الآية ، لأن خالقا حينما يبتدع مخلوقا - وهو مالك موته وحياته وضره ونفعه - لابد أن يكون له هدف من خلقه ،
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 197 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي