3 2 - الحركات المناوئة لنهضة الأنبياء !
من الطبيعي أن توجد في مقابل كل ثورة حركة مضادة تسعى إلى تحطيم
نتائج الثورة ، وإلى إرجاع المجتمع إلى مرحلة ما قبل الثورة ، وليس سبب ذلك
معقدا ولا غامضا ، لأن انتصار ثورة ما لا يعني فناء كل العناصر الفاسدة من الفترة
السابقة دفعة واحدة ، بل تبقى حثالات منهم تبدأ نشاطها من أجل الحفاظ على
وجودها وكيانها ، ومع اختلاف ظروف ومقدار وكيفية هؤلاء ، فإنهم يقومون
بأعمال تناهض الثورة سرا أم علانية .
وفي حركة موسى بن عمران الثورية نحو توحيد واستقلال وحرية بني
إسرائيل ، كان السامري زعيم هذه الحركة الرجعية المضادة ، فقد كان عالما - كبقية
قادة الحركات الرجعية - بنقاط ضعف قومه جيدا ، وكان يعلم أنه قادر على أن
يستغل هذه النقاط فيثير الفتنة فيهم ، فسعى أن يصنع من أدوات الزينة والذهب
التي هي آلهة عبيد الدنيا ، وتجلب اهتمام عوام الناس ، عجلا على هيئة خاصة ،
وجعله في مسير حركة الريح - أو بالاستعانة بأية وسيلة أخرى - ليخرج منه
صوت . وذلك بانتهاز فرصة مناسبة - وهي غيبة موسى لعدة أيام - ونظرا إلى أن
بني إسرائيل بعد النجاة من الغرق ، ومرورهم على قوم يعبدون الأصنام ، طلبوا من
موسى صنما ، والخلاصة أنه استغل كل نقاط الضعف النفسي ، والفرص المكانية
والزمانية المناسبة ، وبدأ خطته المضادة للتوحيد . وقد نظم هذه المواد بمهارة فائقة
بحيث حرف في مدة قصيرة أغلبية الجهلة من بني إسرائيل عن خط التوحيد إلى
طريق الشرك .
وبالرغم من أن هذه الخطة قد أحبطت بمجرد رجوع موسى وقوة إيمانه
ومنطقه بنور الوحي ، ولكن إذا لم يرجع موسى فماذا كان سيحدث ؟ إنهم إما كانوا
سيقتلون أخاه هارون حتما ، أو سيحجمونه بحيث لا يصل صوته إلى أحد .
أجل . . إن كل ثورة تحارب في البداية بهذه الصورة ، فيجب الحذر دائما ،
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 59
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٩