تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
فما ذهب إليه بعض المفسرين : من أن المراد من هذا الاستفسار هو عن السؤال مقدار انتظارهم في عالم البرزخ ، بعيد حسب الظاهر ، رغم وجود شواهد قليلة على ذلك في آيات أخرى ( 1 ) . إلا أنهم يرون في هذه المقارنة أن الدنيا قصيرة جدا جدا قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم . والحقيقة أن الأعمار الطويلة في الدنيا كسحابة صيف لو قارناها بحياة الآخرة ، حيث النعم الخالدة والعقاب غير المحدود . وللتأكيد أو للرد بدقة قالوا فاسأل العادين أي : رباه اسأل الذين يعرفون أن يعدوا الأعداد ويحسبوها بدقة حين مقارنة بعضها مع بعض ، ويمكن أن يكون القصد من كلمة " العادين " الملائكة الذين يحسبون أعمار الناس وأعمالهم بدقة ، لأن هؤلاء يجيدون الحساب أفضل من غيرهم . وهنا يؤنبهم الله ويستهزئ بهم قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون . فسوف يدركون يوم القيامة مدى قصر عمر الدنيا المحدود بالنسبة لعمر الآخرة الممدود ، فالعمر الأول ما هو إلا كلمحة بصر . ولكنهم كانوا يتصورونه خالدا ، لأن حجب الغفلة وآثارها قد أسدلت على قلوبهم ، فحجبتها عن رؤية الحق ، فاستهانوا بالآخرة وحسبوها وعدا آجلا بعيدا ، لهذا قال لهم الله عز وجل : لو أنكم كنتم تعلمون لأدركتم هذه الحقيقة التي توصلتم إليها يوم القيامة في دنياكم ( 2 ) .
هامش
1 - نقرأ في سورة الروم الآية ( 55 ) و 56 ) : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ، وقال الذين أتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ، وهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون تبين هاتان الآيتان أن الاستفسار والرد خاص بالتوقف في البرزخ ، وإذا جعلناه دليلا على الآيات موضع البحث ، فمفهومها سيكون أيضا التوقف في البرزخ ، إلا أنه كما قلنا : إن الدلائل الموجودة - في الآيات موضع البحث - مقدمة عليها ، وإنها تبين أن الاستفسار وجوابه يخص التوقف في الدنيا . 2 - إن " لو " في الآية السابقة شرطية كما قلنا سابقا . وهناك جملة تقديرية محذوفة فتكون " لو أنكم كنتم تعلمون " لعلمتم أنكم ما لبثتم إلا قليلا ، وقال بعض المفسرين أن " لو " تعني هنا " ليت " وبهذا تكون الجملة بهذا الشكل " ليتكم علمتم بهذا الموضوع في دنياكم " .