اللّه سبحانه ، حتّى عرضت لي حالة الاحتضار ، و كأنّى عاينت ملكالموت مأمورا لقبض روحى ، فسنح لي مولاى روحى له الفداء في عالم المعاينة ، فأمره بالانصراف عنّي من اللّه مقاربة تلك الحال بالتصدّقات الّتي تصدّقوا فيها عنّي ، وصلة الأرحام و نحو ذلك من الامور الموجبة للبداء - حسبما وردت بذلك الأحاديث المعتبرة - ؛ ثمّ توجّه إلىّ به نظر العناية ، و كنت مستغيثا بعنايته ، متحبّلا بكلّي إليه ، متوسّلا به ناحيه قدسه ؛ فتذكرات معه به غير هذا اللّسان ، بل إنّما كان بالعيان على نحو الإشراق ، فالهمت ببعض أسرار التّوحيد و نبذة من الفضائل ، فعاينت عالم البرزخ و ما فيها من النّور و الظّلمة و الثّواب و العقاب و الرّوض و النّيران ، فعرضى من ذلك دهشة عظيمة يكون موتى منها . فالهمت بالنظر إلى مولاى بالعين القلبيّة و طريق المعاينة ؛ فاستغثت به صلوات اللّه عليه ، فإذا هو بحقيقته ناظرا إليّ به نظر الرّحمة الكريمة ، إذ لا يخيب لديه الآملون و لا يعزب عن فنائه و ساحة قدسه المستغيثون ؛ ثمّ عاينتهم عليهم السّلام و هم بنا لا به عين في النشأة البرزخيّة . حتّى وصل السير الرّوحانيّ المعنويّ إلى وادى السّلام ، فرأيت جمعا من الأولياء و العلماء الصالحين من أسلافي و بعض إخوانى ، و هم فيها ممهّدون راجون خائفون ، و كأنّهم من المبتهلين على وجه لا أعرف بمكانهم و لا أقدر على وصفهم ، و هم مستغيثون إلى مولاى و مولى الكونين صلوات اللّه عليه مستشفعين به إلى اللّه ، و يدعون للشّيعة مبتهلا خاضعا خاشعا ، و كنت حينئذ في عالم المحو ، كالطّمس في أحوالهم غير قادر على النطق ، و كان بعضهم ينظرون إليّ به نظر الرأفة و المعرفة غير مستنكرة ؛ و قد أنسيت بذلك إنساء غريبا ، و أنسيت من الدّنيا و ما فيها شائقا للّحوق بهم و عدم الانصراف عنهم ، و كأنّهم يكلّموني و ما عرفت من كلامهم شيئا ؛
ثمّ عرض لي حجاب منعنى عن لقائهم ، و رأيت نفسى كأنّي في العالم الأوّل ، و عاينت مولاى روحى لساحة قدسه الفداء ، فنظر إليّ نظر المغفرة و العفو و سامحني ؛ ثمّ الهمت ببعض العلوم المتعلّقة بالفضائل الّتي كانت بمنزلة الحياة المعنويّة الرّوحانيّة المشرقة الخارجة عن عنوان اللّفظ . و إن شئت قلت : إنّه بمنزلة الشّهود العرفانيّ ، و كأنّه أمرني بالرّجوع إلى الدّنيا ، فرأيت حالي كأنّي بين النّوم و اليقظة ، و كأنّى عرضت لي الحياة الجسمانيّة مرّة اخرى .
اشارات ايمانيه ( فارسى ) — صفحة 387
مساهمون: محمد تقي بن محمد باقر الرازي الأصفهاني ( آقا نجفي )
ص٣٨٧