[ 69 ] اشارة [ في مراتب الغفلة ]
للغفلة مراتب كثيرة : غفلة الصّادقين ؛ و غفلة العارفين ؛ و غفلة الغافلين ؛ و غفلة العاملين ؛ و غفلة العالمين ؛ و غفلة المتّقين ؛ و غفلة العاصين ؛ و غفلة المذنبين ؛ و غفلة المستغفرين التائبين .
أمّا غفلة الصّادقين ، فهي التعلّق بالذّكر عن المذكور ، و نسيان التوجّه إلى مقام التوحيد ، مع تعلّق القلب بالوحدانيّة الصمدانيّة ؛ و هم الّذين يذكرون اللّه و يطيعونه في أوامره و نواهيه ، و لا يعصونه و يعلمون أنّه الحقّ ، و لا يشهدونه لذاته بذاته على ذاته ، بل إنّما يعرفونه بالآيات البيّنات الآفاقيّة و الأنفسيّة .
و أمّا غفلة العارفين ، فهي عبارة عن الفناء ؛ فيفنى عن نفسه بالكليّة ، و لا يخطر في قلبه إلّا هو ، و لا يلتفت إلى ما سواه . و هذا عين البصيرة و حقّ اليقين و شهادة الموحّدين البارعين الكاملين الّذين يشهدون للحقّ بالحقّ ، و تسلّمون أمرهم إلى اللّه ، بل لا يرون أمرا إلّا أمره ، و يعطون الأسباب ، و لا ينظرون إلّا إلى المشيّة بعنوان الحقيقة المعنويّة العرفانيّة الشّهوديّة الّتى لا يشوبها ريبة و لا يعتريها شبهة .
و مرجع جميع ذلك إلى مرتبة الفقر الخالص ؛ و هو الّذى لا يبقى عليه من إطاعة ربّه الّتي هي حقيقة العبوديّة ، و التخلّق بالأخلاق و المكارم الشرعيّة الحقّة الحقيقة ، لأنّه تعالى هو الغنيّ المطلق ، و كلّ ما سواه فقير إليه ؛ فهذا الفقير فان عن وجوده و تعلّقاته بالكليّة ، و هو باق بإبقاء الحقّ ؛ أعنى : تعلّق فيضه بإبقائه ،
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ،
« 1 » لأنّهم
هامش
( 1 ) . سوره مباركه آل عمران : 169 .