دلالة على أنهم لم يزالوا داعين إلى أن تحقق الموعود من إهلاك الظالمين ، وذلك لأن * ( لنهلكن ) * وعد وإنما حقيقة الإجابة حين الإهلاك ، وليس من تفويض الترتب إلى ذهن السامع في شئ ولا ذلك من مقامه كما توهم . وقال ابن زيد : الضمير للكفار والعطف حينئذ على * ( قال الذين كفروا ) * أي قالوا ذلك واستفتحوا على نحو ما قال قريش : * ( عجل لنا قطنا ) * وكأنهم لما قوى تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة ظنوا أن ما قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء كقول قوم نوح : * ( فأتنا بما تعدنا ) * ( الأعراف : 70 ) وقوم شعيب * ( فأسقط علينا كسفا ) * ( الشعراء : 187 ) إلى غير ذلك ، وقيل : الضمير للرسل عليهم السلام ومكذبيهم لأنهم كانوا كلهم سألوا الله تعالى أن ينصر المحق ويهلك المبطل ، وجعل بعضهم العطف على * ( أوحي ) * على هذا أيضاً بل ظاهر كلام بعض أن العطف عليه على القراءة المشهورة مطلقاً ، وسيأتي إن شاء الله تعالى احتمال آخر في الضمير ذكره الزمخشري . * ( وَخَابَ ) * أي خسر وهلك * ( كُلُّ جَبَّار ) * متكبر عن عبادة الله تعالى وطاعته ، وقال الراغب : الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، ولا يقال إلا على طريق الذم * ( عَنيد ) * معاند للحق مباه بما عنده ، وجاء فعيل بمعنى مفاعل كثيراً كخليط بمعنى مخالط ورضيع بمعنى مراضع ، وذكر أبو عبيدة أن اشتقاق ذلك من العند وهو الناحية ، ولذا قال مجاهد : العنيد مجانب الحق ، قيل : والوصف الأول : إشارة إلى ذمه باعتبار الخلق النفساني والثاني : إلى ذمه باعتبار الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً منحرفاً عن الحق ، وفي الكلام إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة والمنعطف عليه أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم المعاندون ؛ فالخيبة بمعنى مطلق الحرمان دون الحرمان عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على الحق ، هذا إذا كان ضمير * ( استفتحوا ) * للرسل عليهم السلام ، وأما إذا كان للكفار فالعطف كما في " البحر " على * ( استفتحوا ) * أي استفتح الكفار على الرسل عليهم السلام وخابوا ولم يفلحوا ، وإنما وضع * ( كل جبار عنيد ) * موضع ضميرهم ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة ، ويقدر إذا كان الضمير للرسل عليهم السلام وللكفرة استفتحوا جميعاً فنصر الرسل وخاب كل عات متمرد ، والخبة على الوجهين بمعنى الحرمان غب الطلب ، وفي إسناد الخيبة إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة .
* ( مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ ) *
.
* ( مِنْ وَرَائه جَهَنَّمُ ) * أي من قدامه وبين يديه كما قال الزجاج . والطبري . وقطرب . وجماعة ، وعلى ذلك قوله : أليس ورائي إن تراخت منيتي * لزوم العصا نحنيي عليها الأصابع
ومعنى كونها قدامه أنه مرصد لها واقف على شفيرها ومبعوث إليها ، وقيل : المراد من خلف حياته وبعدها ، ومن ذلك .
قوله : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب
وإليه ذهب ابن الأنباري ، واستعمال * ( وراء ) * في هذا وذاك بناء على أنها من الأضداد عند أبي عبيدة
تفسير الآلوسي — صفحة 201
مساهمون: الآلوسي
ص٢٠١