تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
لأن مثل أعمالهم كونها كرماد ومثلهم كون أعمالهم كرماد فلا اتحاد لكن الأول سبب للثاني فتأمل ، والمراد معروف وعرفه ابن عيسى بأنه جسم يسحقه الإحراق سحق الغبار ويجمع على رمد في الكثرة وأرمدة في القلة وشذ جمعه على أفعلاء قالوا أرمداء كذا في " البحر " وذكر في " القاموس " أن الإرمداء كالأربعاء الرماد ولم يذكر أنه جمع ، والمراد بأعمالهم ما هو من باب المكارم كصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأساري وقرى الأضياف وإغاثة الملهوفين وغير ذلك ، وقيل : ما فعلوه لأصنامهم من القرب بزعمهم ، وقيل : ما يعم هذا وذاك ولعله الأولى ، وجئ بالجملة على ما اختاره بعضهم جواباً لما يقال : ما بال أعمالهم التي عملوها حتى آل أمرهم إلى ذلك المآل ؟ إذ بين فيها أنها كرماد * ( اشْتَدَّتْ به الرِّيحُ ) * أي حملته وأسرعت الذهاب به فاشتد من شد بمعنى عدا ، والباء للتعدية أو للملابسة ، وجوز أن يكون من الشدة بمعنى القوة أي قويت بملابسة حمله * ( في يَوْم عَاصف ) * العصف اشتداد الريح وصف به زمان هبوبها على الإسناد المجازي كنهاره صائم وليله قائم للمبالغة ، وقال الهروي : التقدير في يوم عاصف الريح فحذف الريح لتقدم ذكره كما في قوله : إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف والتنوين على هذا عوض من المضاف إليه ، وضعف هذا القول ظاهر ، وقيل : إن عاصف صفة الريح إلا أنه جر على الجوار ، وفيه أنه لا يصح وصف الريح به لاختلافهما تعريفاً وتنكيراً ، وقرأ نافع . وأبو جعفر * ( الرياح ) * على الجمع وبه يشتد فساد الوصفية ، وقرأ ابن أبي إسحق . وإبراهيم بن أبي بكر عن الحسن * ( في يوم عاصف ) * على الإضافة ، وذلك عند أبي حيان من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه والتقدير في يوم ريح عاصف ، وقد يقال : إنه من إضافة الموصوف إلى الصفة من غير حاجة إلى حذف عند من يرى جواز ذلك * ( لاَ يَقْدرُونَ ) * أي يوم القيامة * ( ممَّا كَسَبُوا ) * في الدنيا من تلك الأعمال * ( عَلَى شَئ ) * ما أي لا يرون له أثراً من ثواب أو تخفيف عذاب . ويؤيد التعميم ما ورد في " الصحيح " عن عائشة أنها قالت : يا رسول الله إن ابن جدعان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين هل ذلك نافعه ؟ قال : لا ينفعه لأنه لم يقل ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين ، وقيل : الكلام على حذف مضاف إي لا يقدرون من ثواب ما كسبوا على شئ ما والأول أولى ، وقدم المتعلق الأول - للا يقدرون - على الثاني وعكس في البقرة لأهمية كل في آيته وذلك ظاهر لمن له أدنى بصيرة ، وحاصل التمثيل تشبيه أعمالهم في حبوطها وذهابها هباء منثوراً لابتنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والايمان به وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاطف وفرقته ، وهذه الجملة فذلكة ذلك والمقصود منه ، قيل : والاكتفاء ببيان عدم رؤية الأثر لأعمالهم للأصنام مع أن لها عقوبات للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم أنها شفعاء لهم عند الله تعالى ، وفيه تهكم بهم * ( ذلكَ ) * أي ما دل عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شئ * ( هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعيدُ ) * عن طريق الحق والصواب ، وقد تقدم تمام الكلام في ذلك غير بعيد . * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ بالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) * . * ( أَلَمْ تَرَ ) * خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته الذين بعث إليهم ، وقيل : خطاب لكل واحد من الكفرة لقوله تعالى : * ( إن يشأ يذهبكم ) * والرؤية رؤية القلب ، وقوله تعالى : * ( إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَات وَالأَرْضَ ) * ساد مسد مفعوليها أي ألم تعلم أنه تعالى خلقهما * ( بالْحَقِّ ) * أي ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق