بظهور نور وجهه وتجليه بصفة القهر حتى يفنوا بالكلية في عين الجمع * ( فأما الذين آمنوا ) * الإيمان الحقيقي بمحو الصفات وطمس الذات * ( وعملوا الصالحات ) * وراعوا تفاصيل الصفات وتجلياتها * ( فيوفيهم أجورهم ) * من جنات صفاته * ( ويزيدهم من فضله ) * بالوجود الموهب لهم بعد الفناء * ( وأما الذين استنكفوا ) * وأظهروا الأنانية * ( واستكبروا ) * وطغوا فقال قائلهم : أنا ربكم الأعلى مع رؤيته نفسه * ( فيعذبهم عذاباً أليماً ) * ( النساء : 173 ) باحتجابهم وحرمانهم * ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ) * وهو التوحيد الذاتي * ( وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ) * ( النساء : 174 ) وهو التفصيل في عين الجمع ؛ فالأول : إشارة إلى القرآن ، والثاني : إلى الفرقان * ( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ) * ولم يلتفتوا إلى الأغيار من حيث أنها أغيار * ( فسيدخلهم في رحمة منه ) * وهي جنات الأفعال * ( وفضل ) * وهو جنات الصفات * ( ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً ) * ( النساء : 175 ) وهو الفناء في الذات ، أو - الرحمة - جنات الصفات ، و - الفضل - جنات الذات ؛ و - الهداية إليه صراطاً مستقيماً - الاستقامة على الوحدة في تفاصيل الكثرة ، ولا حجر على أرباب الذوق ، فكتاب الله تعالى بحر لا تنزفه الدلاء ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ، ونسأله التوفيق لفهم كلامه ، وشرح صدورنا بعوائد إحسانه وموائد إنعامه لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره .
سورة المائدة
وتسمى أيضاً العقود والمنقذة ، قال ابن الفرس : لأنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب . وهي مدنية في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وقال أبو جعفر بن بشر والشعبي : إنها مدنية إلا قوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ( 3 ) فإنه نزل بمكة . وأخرج أبو عبيد عن محمد القرظي قال : " نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فيما بين مكة . والمدينة وهو على ناقته فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك من ثقل الوحي " وأخرج غير واحد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : المائدة آخر سورة نزلت ، وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أن آخر سورة المائدة . والفتح ، وقد تقدم آنفاً عن البراء أن آخر سورة نزلت براءة ، ولعل كلا ذكر ما عنده ، وليس في ذلك شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، نعم أخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب . وعطية بن قيس قالا : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المائدة من آخر القرآن تنزيلاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " وهو غير واف بالمقصود لمكان " من " . واستدل قوم بهذا الخبر على أنه لم ينسخ من هذه السورة شيء ، وممن صرح بعدم النسخ عمرو بن شرحبيل والحسن رضي الله تعالى عنهما ، كما أخرج ذلك عنهما أبو داود ، وأخرج عن الشعبي أنه لم ينسخ منها إلا قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ) * ( 2 ) ، وأخرج ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله سبحانه : * ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) * ( 42 ) وادعى بعضهم أن فيها تسع آيات منسوخات ، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى .
تفسير الآلوسي — صفحة 47
مساهمون: الآلوسي
ص٤٧