تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
مبالغ في تعلق العلم في جميع الأشياء التي من جملتها من هو أهل الفضل ومحله ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية كما مر غير مرة . هذا ومن باب الإشارة في الآيات على ما قاله بعض العارفين : * ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ) * يحتمل أن يكون الكتاب الأول إشارة إلى علم الفرقان ، والثاني إشارة إلى علم القرآن ، والأول هو ظهور تفاصيل الكمال ، والثاني هو العلم الإجمالي الثابت في الاستعداد ، ومعنى كونه مهيمناً عليه حافظاً عليه بالإظهار ، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى ما بين أيدينا من المصحف ، والثاني إشارة إلى الجنس الشامل للتوراة التي دعوتها للظاهر والإنجيل الذي دعوته للباطن ، وكتابنا مشتمل على الأمرين حافظ لكل من الكتابين * ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) * من العدل الذي هو ظل المحبة التي هي ظل الوحدة التي انكشفت عليك * ( ولا تتبع أهواءهم ) * في تغليب أحد الجانبين إما الظاهر وإما الباطن * ( لكل جعلنا منكم شرعة ) * مورداً كمورد النفس ومورد القلب ومورد الروح * ( ومنهاجاً ) * ( المائدة : 47 ) طريقاً كعلم الأحكام والمعارف التي تتعلق بالنفس وسلوك طريق الباطن الموصل إلى جنة الصفات وعلم التوحيد والمشاهدة الذي يتعلق بالروح وسلوك طريق الفناء الموصل إلى جنة الذات ، وقال بعضهم : إن لله سبحانه بحاراً للأرواح وأنهاراً للقلوب وسواقي للعقول ، ولكل واحد منها شرعة في ذلك ترد منها كشرعة العلم وشرعة القدرة وشرعة الصمدية وشرعة المحبة إلى غير ذلك ، وله عز وجل طرق بعدد أنفاس الخلائق كما قال أبو يزيد قدس سره ، والمراد بها الطرق الشخصية لا مطلقاً وكلها توصل إليه سبحانه ، وهذا إشارة إلى اختلاف مشارب القوم وعدم اتحاد مسالكهم ، وقد قال جل وعلا : * ( قد علم كل أناس مشربهم ) * ( البقرة : 60 ) وفرق سبحانه بين الأبرار والمقربين في ذلك ، وقلما يتفق اثنان في مشرب ومنهج ، ومن هنا ينحل الإشكال فيما حكي عن حضرة الباز الأشهب مولانا الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال : - لا زلت أسير في مهامه القدس حتى قطعت الآثار فلاح لي أثر قدم من بعيد فكادت روحي تزهق فإذا النداء هذا أثر قدم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم - فإن ظاهره يقتضي سبقه للأنبياء والرسل أرباب التشريع عليهم الصلاة والسلام ونحوهم من الكاملين وهو كما ترى ، ووجهه أنه قدس سره قطع الآثار في الطريق الذي هو فيه ، وذلك يقتضي السبق على سالكي ذلك الطريق لا غير ، فيجوز أن يكون مسبوقاً بمن ذكرنا من السالكين طريقاً آخر غير ذلك الطريق ، وهذا أحسن ما يخطر لي في الجواب عن ذلك الإشكال نظراً إلى مشربي ، ومشارب القوم شتى * ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) * متفقين في المشرب والطريق * ( ولكن ليبولكم فيما آتاكم ) * أي ليظهر عليكم ما آتاكم بحسب استعداداتكم على قدر قبول كل واحد منكم * ( فاستبقوا الخيرات ) * أي الأمور الموصلة لكم إلى كمالكم الذي قدر لكم بحسب الاستعدادات المقربة إياكم إليه بإخراجه إلى الفعل * ( إلى الله مرجعكم ) * في عين جمع الوجود على حسب المراتب * ( فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) * ( المائدة : 48 ) وذلك بإظهار آثار ما يقتضيه ذلك الاختلاف * ( وأن احكم بينهم ) * حسب ما تقتضيه الحكمة ويقبله الاستعداد * ( بما أنزل الله ) * إليك من القرآن الجامع للظاهر والباطن * ( ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتونك عن بعض ما أنزل الله ) * فتقصر على الظاهر البحت أو الباطن المحض وتنفي الآخر * ( فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) * كذنب حجب الأفعال لليهود . وذنب حجب الصفات للنصارى * ( وإن كثيراً من الناس لفاسقون ) * ( المائدة : 49 ) وأنواع الفسق مختلفة ، ففسق اليهود خروجهم عن حكم تجليات الأفعال الإلهية برؤية