تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
صلى الله عليه وسلم : " ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها كبير عمل ولكن حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب " فهذا ناطق بأن المفهوم من المحبة لله تعالى غير الأعمال والتزام الطاعات لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة والمحبة إذا تأكدت سميت عشقاً ، فهو المحبة البالغة المتأكدة ، ( والقول بأنه عبارة عن المحبة فوق قدر المحبوب فيكفر من قال : أنا عاشق لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم - كما قاله بعض ساداتنا الحنفية - في حيز المنع عندي ) ، والمعترفون بتصور محبة العبد لله عز شأنه بالمعنى الحقيقي ينسبون المنكرين إلى أنهم جهلوا فأنكروا كما أن الصبي ينكر على من يعتقد أن وراء اللعب لذة من جماع أو غيره ، والمنهمك في الشهوات والغرام بالنساء يظن أن ليس وراء ذلك لذة من رياسة أو جاه أو نحو ذلك ، وكل طائفة تسخر مما فوقها وتعتقد أنهم مشغولون في غير شيء . قال حجة الإسلام الغزالي روّح الله تعالى روحه : والمحبون لله تعالى يقولون لمن أنكر عليهم ذلك : * ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) * ( هود : 38 ) انتهى " مع أدنى زيادة . ولم يتكلم على معنى محبة الله تعالى للعبد ، وأنت تعلم أن ذلك من المتشابه والمذاهب فيه مشهورة ، وقد قدمنا طرفاً من الكلام في هذا المقام فتذكر . والمراد بهؤلاء القوم في المشهور أهل اليمن ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في " مسنده . والطبراني والحاكم وصححه من حديث عياض بن عمر الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت أشار إلى أبي موسى الأشعري - وهو من صميم اليمن - وقال : هم قوم هذا ، وعن الحسن وقتادة والضحاك أنهم أبو بكر وأصحابه رضي الله تعالى عنهم الذين قاتلوا أهل الردة ، وعن السدي أنهم الأنصار ، وقيل : هم الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أفناء الناس ، وقد حارب هناك سعد بن أبي وقاص رستم الشقي صاحب جيش يزدجر ، وقال الإمامية : هم علي كرم الله تعالى وجهه وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين ، وعنهم أنهم المهدي ومن يتبعه ، ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة ، وقيل : هم الفرس لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ، وقال : هذا وذووه ، وتعقبه العراقي قائلاً : لم أقف على خبر فيه ، وهو هنا وهم ، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى : * ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ) * ( محمد : 38 ) كما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فمن ذكره هنا فقد وهم . * ( أَذلَّة عَلَى الْمُؤْمنينَ ) * عاطفين عليهم متذللين لهم ، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل ، وكان الظاهر أن يقال : أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل له ، ولا يقال : تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنه عدى بعلى لتضمينه معنى العطف والحنو المتعدي بها ، وقيل : للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم . ولعل المراد بذلك أنه استعيرت على لمعنى اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة ، لكن في استفادة هذا من ذاك خفاء ، وكون المراد به أنه ضمن الوصف معنى الفضل والعلو - يعني أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم أذلاء في أنفسهم بل لإرادة أن يضموا إلى علو منصبهم وشرفهم فضيلة التواضع - لا يخفى ما فيه ، لأن قائل ذلك قابله بالتضمين فيقتضي أن يكون وجهاً آخر لا تضمين فيه ، وكون الجار على ذلك متعلقاً بمحذوف وقع صفة أخرى - لقوم - ومع علو طبقتهم الخ تفسير لقوله سبحانه : * ( على المؤمنين ) * وخافضون الخ تفسير - لأذلة - مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وقيل : عديت الذلة بعلى لأن