تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
العزة في قوله تعالى : * ( أعزَّة عَلَى الكافرين ) * عديت بها كما يقتضيه استعمالها ، وقد قارنتها فاعتبرت المشاكلة ، وقد صرحوا أنه يجوز فيها التقديم والتأخير ، وقيل : لأن العزة تتعدى بعلى والذلة ضدها ، فعوملت معاملتها لأن النظير كما يحمل على النظير يحمل الضد على الضد كما صرح به ابن جني وغيره ، وجر أذلة - و - أعزة على أنهما صفتان - لقوم - كالجملة السابقة ، وترك العطف بينهما للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما ، وفيه دليل على صحة تأخير الصفة الصريحة عن غير الصريحة ، وقد جاء ذلك في غير ما آية ، ومن لم يجوزه جعل الجملة هنا معترضة ولا يخفى أنه تكلف ، ومعنى كونهم أعزة على الكافرين أنهم أشداء متغلبون عليهم من عزه إذا غلبه ، ونص العلامة الطيبي أن هذا الوصف جئ به للتكميل لأن الوصف قبله يوهم أنهم أذلاء محقرون في أنفسهم ، فدفع ذلك الوهم بالإتيان به على حد قوله : جلوس في مجالسهم رزان * وإن ضيف ألمّ فهم خفوف وقرئ أذلة - و - أعزة بالنصب على الحالية من - قوم - لتخصيصه بالصفة . * ( يجاهدون في سَبيل الله ) * بالقتال لإعلاء كلمته سبحانه وإعزاز دينه جل شأنه ، وهو صفة أخرى - لقوم - مترتبة على ما قبلها مبينة مع ما بعدها لكيفية عزتهم ، وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في * ( أعزة ) * أي يعزون مجاهدين ، وأن يكون مستأنفاً . * ( وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئم ) * فيما يأتون من الجهاد أو في كل ما يأتون ويذرون ، وهو عطف على * ( يجاهدون ) * بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة والتصلب في الدين ، وفيه تعريض بالمنافقين ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل * ( يجاهدون ) * أي يجاهدون وحالهم غير حال المنافقين ، والتعريض فيه حينئذٍ أظهر ، وقيل : إنه على الأول لا تعريض فيه بل هو تتميم لمعنى * ( يجاهدون ) * مفيد للمبالغة والاستيعاب وليس بشيء ، واعترض القول بالحالية بأنهم نصوا على أن المضارع المنفي - بلا أو - ما - كالمثبت في عدم جواز دخول الواو عليه ، وأجيب بأن ذلك مبني على مذهب الزمخشري القائل بجواز اقتران المضارع المنفي - بلا ، وما - بالواو ، فإن النحاة جوزوه في المنفي - بلم ، ولما - ولا فرق بينهما ، و - اللومة - المرة من اللوم أي الاعتراض وهو مضاف لفاعله ، وأصل لائم لاوم فاعل كقائم ، وفي اللومة مع تنكير لائم مبالغتان على ما قيل ، ووجه ذلك العلامة الطيبي بأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات لأن النكرة في سياق النفي تعم ، ثم إذا انضم إليها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوّام ، فيكون هذا تتميماً في تتميم أي لا يخافون شيئاً من اللوم من أحد من اللوّام . وقيل عليه : بأنه كيف يكون لومة أبلغ من لوم مع ما فيها من معنى الوحدة ، فلو قيل : لوم لائم كان أبلغ وأجيب بأنها في الأصل للمرة لكن المراد بها هنا الجنس ، وأتى بالتاء للإشارة إلى أن جنس اللوم عندهم بمنزلة لومة واحدة ، وتعقب بأنه لا يدفع السؤال لأنه لا قرينة على هذا التجوز مع بقاء الإبهام فيه ، وقد يقال : إن مقام المدح قرينة قوية على ذلك . * ( ذَلكَ ) * إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف لا بعضها كما قيل ، والإفراد لما تقدم ، وكذاك ما فيه من معنى البعد * ( فَضْلُ الله ) * أي لطفه وإحسانه * ( يُؤْتيه مَن يَشَاءُ ) * إيتاءه إياه لا أنهم مستقلون في الاتصاف به * ( واللَّهُ واسعٌ ) * كثير الفضل ، أو جواد لا يخاف نفاد ما عنده سبحانه * ( عَليمٌ ) *
تفسير الآلوسي — صفحة 164 | الآلوسي