تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
به الخبر من الاستقرار ، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من أحوالهم الموجبة للعقاب ، كأنه قيل : فما لهم على ذلك من العقوبة ؟ فقيل : لهم في الدنيا خزي وكذا الحال في قوله تعالى : * ( وَلَهُمْ في الآخرة ) * أي مع الخزي الدنيوي * ( عَذَابٌ عَظيمٌ ) * لا يقادر قدره وهو الخلود في النار مع ما أعد لهم فيها ، وضمير * ( لهم ) * في الجملتين - لأولئك - من المنافقين واليهود جميعاً ، وقيل : لليهود خاصة ، وقيل : * ( لهم ) * إن استأنفت بقوله سبحانه : * ( ومن الذين هادوا ) * وإلا فللفريقين ، والتكرير مع اتحاد المرجع لزيادة التقرير والتأكيد [ بم ولذلك كرر قوله سبحانه : * ( سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فاحْكُم بَيْنَهُم بالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * . * ( سماعون للْكَذب ) * ، وقيل : إن الظاهر أنه تعليل لقوله تعالى : * ( لهم في الدنيا خزي ) * ( المائدة : 41 ) الخ أو توطئة لما بعده ، أو المراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة ، وفيما مر ما يفتريه الأحبار ، ويؤيده الفصل بينهما . * ( أكالون للسُّحْت ) * أي الحرام من سحته إذا استأصلته ، وسمي الحرام سحتاً - عند الزجاج - لأنه يعقب عذاب الاستئصال والبوار ، وقال الجبائي : لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالباً ، وقال الخليل : لأن في طريق كسبه عاراً فهو يسحت مروءة الإنسان ، والمراد به هنا - على المشهور - : الرشوة في الحكم ، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن . وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ، قيل : يا رسول الله وما السحت ؟ قال : الرشوة في الحكم " وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هدايا الأمراء سحت " وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال : لا ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية ، وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل عن السحت فقال : الرشا ، فقيل له في الحكم قال : ذاك الكفر ، وأخرج البيهقي في " سننه " عن ابن مسعود نحو ذلك ، وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ست خصال من السحت : رشوة الإمام - وهي أخبث ذلك كله - وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن " ، وعدّ ابن عباس رضي الله تعالى عنه في رواية ابن منصور والبيهقي عنه أشياء أخر . قيل : ولعظم أمر الرشوة اقتصر عليها من اقتصر ، وجاء من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما " . ولتفاقم الأمر في هذه الأزمان بالارتشاء صدر الأمر من حضرة مولانا - ظل الله تعالى على الخليقة ومجدد نظام رسوم الشريعة والحقيقة - السلطان العدلي محمود خان لا زال محاطاً بأمان الله تعالى - حيثما كان في السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والمائتين - بمؤاخذة المرتشي وأخويه على أتم وجه ، وحد للهدية حداً لئلا يتوصل بها إلى الإرتشاء كما يفعله اليوم كثير من الأمراء ، فقد أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ والنجش بالصدقة ، والسحت بالهدية ، والقتل بالموعظة يقتلون البرئ ليوطئوا العامة يملى لهم فيزدادوا إثماً " . هذا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب * ( السحت ) * بضمتين ، وهما لغتان - كالعنق والعنق - .