* ( التي كتب الله لكم ) * في القضاء السابق حسب الاستعداد * ( ولا ترتدوا على أدباركم ) * في الميل إلى مدينة البدن ، والإقبال عليه بتحصيل لذاته * ( فتنقلبوا خاسرين ) * ( المائدة : 21 ) لتفويتكم أنوار القلب وطيباته * ( قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين ) * وهي صفات النفس * ( وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ) * بأن يصرفهم الله تعالى بلا رياضة منا ولا مجاهدة ، أو يضعفوا عن الاستيلاء بالطبع * ( فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) * ( المائدة : 22 ) حينئذٍ * ( قال رجلان من الذين يخافون ) * سوء عاقبة ملازمة الجسم * ( أنعم الله عليهما ) * بالهداية إلى الصراط السوي - وهما العقل النظري والعقل العملي - * ( ادخلوا عليهم الباب ) * أي باب قرية القلب - وهو التوكل بتجلي الأفعال - كما أن باب قرية الروح هو الرضا * ( فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) * بخروجكم عن أفعالكم وحولكم ، ويدل على أن الباب هو التوكل قوله تعالى : * ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) * ( المائدة : 23 ) بالحقيقة وهو الإيمان عن حضور ، وأقل درجاته تجلي الأفعال * ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ) * أولئك الجبارين عنا وأزيلاهم لتخلو لنا الأرض * ( إنا ههنا قاعدون ) * ( المائدة : 24 ) أي ملازمون مكاننا في مقام النفس معتكفون على الهوى واللذات * ( قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) * ( المائدة : 26 ) أي أرض الطبيعة ، وذلك مدة بقائهم في مقام النفس ، وكان ينزل عليهم من سماء الروح نور عقد المعاش فينتفعون بضوئه * ( واتل عليهم نبأ ابني آدم ) * القلب اللذين هما هابيل العقل ؛ وقابيل الوهم * ( إذ قربا قرباناً ) * وذلك كما قال بعض العارفين : إن توأمة العقل البوذا العاقلة العملية المدبرة لأمر المعاش والمعاد بالآراء الصالحة المقتضية للأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة المستنبطة لأنواع الصناعات والسياسات ، وتوأمة الوهم إقليميا القوة المتخيلة المتصرفة في المحسوسات والمعاني الجزئية لتحصيل الآراء الشيطانية ، فأمر آدم القلب بتزوج الوهم توأمة العقل لتدبره بالرياضات الإذعانية والسياسات الروحانية وتصاحبه بالقياسات العقلية البرهانية فتسخره للعقل ، وتزويج لعقل توأمة الوهم ليجعلها صالحة ويمنعها عن شهوات التخيلات الفاسدة وأحاديث النفس الكاذبة ويستعمل فيما ينفع فيستريح أبوها وينتفع ، فحسد قابيل الوهم هابيل العقل لكون توأمته أجمل عنده وأحب إليه لمناسبتها إياه فأمرا عند ذلك بالقربان ، فقربا قرباناً * ( فتقبل من أحدهما ) * وهو هابيل العقل بأن نزلت نار من السماء فأكلته ، والمراد بها العقل الفعال النازل من سماء عالم الأرواح ، وأكله إفاضته النتيجة على الصورة القياسية التي هي قربان العقل وعمله الذي يتقرب به إلى الله تعالى * ( ولم يتقبل من الآخر ) * وهو قابيل الوهم إذ يمتنع قبول الصورة الوهمية لأنها لا تطابق ما في نفس الأمر * ( قال لأقتلنك ) * لمزيد حسده بزيادة قرب العقل من الله تعالى وبعده عن رتبة الوهم في مدركاته وتصرفاته ، وقتله إياه إشارة إلى منعه عن فعله وقطع مدد الروح ونور الهداية الإلهية - الذي به الحياة - عنه بإيراد التشكيكات الوهمية والمعارضات في تحصيل المطالب النظرية * ( قال إنما يتقبل الله من المتقين ) * ( المائدة : 27 ) الذين يتخذون الله تعالى وقاية ، أو يحذرون الهيئات المظلمة البدنية والأهواء المردية والتسويلات المهلكة * ( لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) * أي إني لا أبطل أعمالك التي هي سديدة في مواضعها * ( إني أخاف الله رب العالمين ) * ( المائدة : 28 ) أي لأني أعرف الله سبحانه فأعلم أنه خلقك لشأن وأوجدك لحكمة ، ومن جملة ذلك أن أسباب المعاش لا تحصل إلا بالوهم ولولا الأمل بطل العمل * ( إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) * أي بإثم قتلي وإثم عملك من الآراء الباطلة * ( فتكون من أصحاب النار ) * وهي نار الحجاب والحرمان * ( وذلك جزاء الظالمين ) * ( المائدة : 29 ) الواضعين للأشياء في غير موضعها كما وضع الأحكام الحسية موضع المعقولات * ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ) * بمنعه عن أفعاله الخاصة
تفسير الآلوسي — صفحة 123
مساهمون: الآلوسي
ص١٢٣