عن الوليد بن مسلم قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا ، فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك وعلمه صلى الله عليه وسلم عقوبة مثلهم من القتل والصلب والقطع والنفي ، ولم يسمل بعدهم غيرهم ، قال : وكان هذا القول ذكره لأبي عمر فأنكر أن تكون نزلت معاتبة ، وقال : بل كانت تلك عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنهم السمل . هذا ومن باب الإشارة في الآيات : * ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) * أي ألزمناهم ذلك لتخالف دواعي قواهم باحتجابهم عن نور التوحيد وبعدهم عن العالم القدسي * ( إلى يوم القيامة ) * أي إلى وقت قيامهم بظهور نور الروح ، أو القيامة الكبرى بظهور نور التوحيد * ( وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) * ( المائدة : 14 ) وذلك عند الموت وظهور الخسران بظهور الهيئات القبيحة المؤذية الراسخة فيهم * ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ) * بحسب الدواعي والمقتضيات * ( كثيراً مما كنتم تخفون ) * عن الناس في أنفسكم * ( من الكتاب ويعفو عن كثير ) * إذا لم تدع إليه داعية * ( قد جاءكم من الله نور ) * أبرزته العناية الإلهية من مكامن العماء * ( وكتاب ) * ( المائدة : 15 ) خطه قلم الباري في صحائف الإمكان جامعاً لكل كمال ، وهما إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك وحد الضمير في قوله سبحانه : * ( يهدي به الله ) * أي بواسطته * ( من اتبع رضوانه ) * أي من أراد ذلك * ( سبل السلام ) * وهي الطرق الموصلة إليه عز وجل . وقد قال بعض العارفين : الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم * ( ويخرجهم من الظلمات ) * وهي ظلمات الشك والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية * ( إلى النور ) * وهو نور الرضا والتسليم * ( ويهديهم إلى صراط مستقيم ) * ( المائدة : 16 ) وهو طريق الترقي في المقامات العلية ، وقد يقال : الجملة الأولى : إشارة إلى توحيد الأفعال ، والثانية : إلى توحيد الصفات ، والثالثة : إلى توحيد الذات * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) * فحصروا الألوهية فيه وقيدوا الإله بتعينه - وهو الوجود المطلق - حتى عن قيد الإطلاق * ( قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ) * فإن كل ذلك من التعينات والشؤون والله من ورائهم محيط * ( ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ) * أي عالم الأرواح وعالم الأجساد وعالم الصور * ( يخلق ما يشاء ) * ( المائدة : 17 ) ويظهر ما أراد من الشؤون * ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) * فادّعوا بنوة الإسرار والقرب من حضرة نور الأنوار ، وقد قال ذلك قوم من المتقدمين كما مرت الإشارة إليه ، وقال ما يقرب من ذلك بعض المتأخرين ، فقال الواسطي : ابن الأزل والأبد لكن هؤلاء القوم لم يعرفوا الحقائق ولم يذوقوا طعم الدقائق فرد الله تعالى دعواهم بقوله سبحانه : * ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) * والأبناء والأحباب لا يذنبون فيعذبون ، أو لا يمتحنون إذ قد خرجوا من محل الامتحان من حيث الأشباح * ( بل أنتم بشر ممن خلق ) * كسائر عباد الله تعالى لا امتياز لكم عليهم بشيء كما تزعمون * ( يغفر لمن يشاء ) * منهم فضلاً * ( ويعذب من يشاء ) * ( المائدة : 18 ) منهم عدلاً * ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً ) * بالولاية ومعرفة الصفات ، أو بسلطنة الوجد وقوة الحال وعزة علم المعرفة ، أو مالكين أنفسكم بمنعها عن غير طاعتي ، والملوك عندنا الأحرار من رق الكونين وما فيه * ( وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ) * ( المائدة : 20 ) أي عالمي زمانكم ، ومنه اجتلاء نور التجلي من وجه موسى عليه السلام * ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ) * وهي حضرة القلب
تفسير الآلوسي — صفحة 122
مساهمون: الآلوسي
ص١٢٢