تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
إلى بلد ولا يزال يطلب وهو هارب فرقاً إلى أن يتوب ويرجع . وبه قال ابن عباس . والحسن . والسدي رضي الله تعالى عنهم . وابن جبير ، وغيرهم ، وإليه ذهب الإمامية ، وعن عمر بن عبد العزيز . وابن جبير في رواية أخرى أنه ينفي عن بلده فقط ، وقيل : إلى بلد أبعد ، وكانوا ينفونهم إلى - دهلك - وهو بلد في أقصى تهامة - وناصع - وهو بلد من بلاد الحبشة ، واستدل للأول بأن المراد بنفي قاطع الطريق زجره ودفن شره فإذا نفي إلى بلد آخر لم يؤمن ذلك منه ، وإخراجه من الدنيا غير ممكن ، ومن دار الإسلام غير جائز فإن حبس في بلد آخر فلا فائدة فيه إذ بحبسه في بلده يحصل المقصود وهو شد عليه . هذا ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق كما أشرنا إليه - فأو - للتقسيم واللف والنشر المقدر على الصحيح ، وقيل : إنها تخييرية والإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق ، والأول علم بالوحي وإلا فليس في اللفظ ما يدل عليه دون التخيير ، ولأن في الآية أجزية مختلفة غلظاً وخفة فيجب أن تقع في مقابلة جنايات مختلفة ليكون جزاء كل سيئة سيئة مثلها ، ولأنه ليس للتخيير في الأغلظ والأهون في جناية واحدة كبير معنى ، والظاهر أنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم هذا التنويع والتفصيل ، ويشهد له ما أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وزعم بعضهم أن التخيير أقرب وكونه بين الأغلظ والأهون بالنظر إلى الأشخاص والأزمنة فإن العقوبات للانزجار وإصلاح الخلق ، وربما يتفاوت الناس في الانزجار فوكل ذلك إلى رأي الإمام ، وفيه تأمل فتأمل * ( ذَلكَ ) * أي ما فصل من الأحكام والأجزية ، وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : * ( لَهُمْ خزْيٌ ) * جملة من خبر مقدم ومبتدأ في محل رفع خبر للمبتدأ ، وقوله سبحانه : * ( في الدُّنْيَا ) * متعلق بمحذوف وقع صفة لخزي ، أو متعلق به على الظرفية ، وقيل : * ( خزي ) * خبر - لذلك - و * ( لهم ) * متعلق بمحذوف وقع حالا من * ( خزي ) * خبر - لذلك - و * ( لهم ) * متعلق بمحذوف وقع حالا من * ( خزي ) * لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا ، و * ( في الدنيا ) * إما صفة - لخزي - أو متعلق به كما مر آنفاً ، والخزي الذل والفضيحة * ( وَلَهُمْ في الآَخرَة عَذَابٌ عَظيمٌ ) * لا يقادر قدره وذلك لغاية عظم جنايتهم ، واقتصر في الدنيا على الخزي مع أن لهم فيها عذاباً أيضاً ، وفي الآخرة على العذاب مع أن لهم فيها خزياً أيضاً لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها ، والعذاب في الآخرة أشدّ من خزيها ، والآية أقوى دليل لمن يقول إن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة ، والقائلون بالإسقاط يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " من ارتكب شيئاً فعوقب به كان كفارة له " فإنه يقتضي سقوط الإثم عنه وأن لا يعاقب في الآخرة ، وهو مشكل مع هذه الآية ، وأجاب النووي بأن الحد يكفر به عنه حق الله تعالى ، وأما حقوق العباد فلا ، وههنا حقان لله تعالى والعباد ، ونظر فيه . . * ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . * ( إلاَّ الَّذينَ تَابُواْ من قَبْل أَن تقَدْرُواْ عَلَيْهمْ ) * استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى : * ( فاعْلَمُواْ أَن اللَّهَ غَفُورٌ رَّحيمٌ ) * وأما ما هو من حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدّاً ، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصاً ، فإنهم إن شاءوا عفوا ، وإن أحبوا استوفوا . وقال ناصر الدين البيضاوي : إن القتل قصاصاً يسقط بالتوبة وجوبه لا جوازه ، وشنع عليه لضيق عبارة العلامة ابن حجر في كتابه التحفة ، وأفرد له تنبيهاً فقال - بعد نقله - وهو عجيب ، أعجب منه سكوت شيخنا عليه في حاشيته