مجموعاتٍ كبيرة تأخذ الطابع الغالبي ما لم يحوِ النصُّ إشاراتٍ واضحة لإرادة الجميع بشكل تامّ ، فهذا هو حال الجمل الخبريّة التي من هذا النوع عرفاً .
ويشهد لذلك - من باب المثال - بعض ما ورد في الآيات نفسها ، فهل كان كلّ الصحابة بالمعنى العريض سيماهم على وجوههم من أثر السجود ؟ وهل كانوا كلّهم فرداً فرداً كثيري الركوع والسجود ؟
إنّ هذا كلّه يعطينا تأكيداً لرؤيتنا اللغويّة لفهم النصوص ، وهي رؤية نزعم أنّها تسير على وفق الفهم العرفي دون الفهم الفلسفي الإطلاقي .
وعليه ، فما نفهمه من مجمل هذه الآيات أنّها تريد أن تُثبت أنّ الحالة الغالبة والطابع العام في الصحابة كان الصلاح والخير والإيمان ، ولكنّ هذا لا يمنع من وجود حالاتٍ هنا وهناك خارجة عن القاعدة الغالبيّة هذه ، حتى لو شكّلت الخمسة أو العشرة في المائة .
وكلامنا أسهل وأكثر عرفيّةً من كلام الفخر الرازي الذي قال في تفسير آية الأمّة الوسط : « إنّ قوله : ( جعلناكم ) ، خطاب لمجموعهم ، لا لكلّ واحدٍ منهم وحده . . وهذا معنى ما قال العلماء : ليس المراد من الآية أنّ كلّهم كذلك ، بل المراد أنه لابدّ وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة » « 1 » .
وقال أيضاً : « ولقائل أن يقول : الإخبار عن الشخص بأنّه خير أعمّ من الإخبار عنه بأنّه خير في جميع الأمور ، أو في بعض الأمور ، ولذلك فإنّه يصحّ تقسيمه إلى هذين القسمين ، فيقال : الخير إما أن يكون خيراً في بعض الأمور دون البعض أو في كلّ الأمور ، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فمن كان خيراً من بعض الوجوه دون البعض ، يصدق عليه أنّه خير ، فإذن إخبار الله تعالى عن خيريّة الأمّة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريّتهم في كلّ الأمور ، فثبت أنّ هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلًا عن الصغائر » « 2 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير 4 : 111 .
( 2 ) المصدر نفسه 4 : 112 .