وشريعته ، أو يكون قد استمدّ شرعيّته وصلاحيّته للتقنين من الله تعالى ، وليس قائماً في عرض هذا الموقف الإلهي ومنافساً له .
والذي يظهر أنّ الرؤية المدرسيّة لنظريّة الشمول - والمتجليّة بقاعدة : ما من واقعة إلا ولها حكم - تقوم على الصيغة الأولى والثانية معاً ، فكلّ واقعةٍ أو سلوك أو وضع أو فعلٍ مفترض للأفراد والجماعات ، فله في الشريعة الواقعيّة جواب قانوني مباشر ، يتمثل في الحرمة أو الوجوب أو غير ذلك من صور الحكم الشرعي ، وهذا هو المعنى السائد لقاعدة نفي الخلوّ أو ما من واقعة إلا ولها حكم ، وهو المعنى الذي اشتغلنا في المحور اللاحق من الفصل نفسه على عرض ما يمكن أن يكون دليلًا له .
في المحور الثاني ، اشتغلنا بشكلٍ مفصّل نسبيّاً بالأدلّة التي يمكن أن تنتصر لنظريّة الشمول بالشكل المدرسي السائد لها في الفقه الإسلامي ، فعَرَضنا في البداية الأدلّة العقليّة التي بلغنا بها عشرة أدلّة ، وأخضعناها جميعاً للمناقشة والتحليل ، ثم انتقلنا للأدلّة القرآنيّة من خلال ثلاث مجموعات من الآيات الكريمة ، وحاولنا ممارسة تأمّل جادّ فيها ، لننتقل بعد ذلك لما اسمّيه بدليل العُرف الحاكي ( الإجماع والشهرة والسيرة المتشرّعيّة ) ، ونختم بدليل الحديث الشريف الذي أخذ منّا قدراً كبيراً من البحث والتحليل .
وقد توصّلنا من خلال هذه المعطيات الاستدلاليّة كلّها إلى الآتي :
1 - إنّه لم يقم دليل عقليّ أو عقلائيّ أو كلامي أو فلسفي حاسم على شموليّة الشريعة الدينيّة ( قاعدة نفي الخلوّ ) لكلّ وقائع الحياة ، بوصف ذلك مبدأ يقوم فهم النصوص ووعي الشريعة عليه .
بل قد قلنا بأنّ الطابع السائد في المقاربات العقلانيّة كان تارةً يأخذ طابع الاستبعاد ، وأخرى الترجيح ، وثالثة وجدناه قائماً على ملازمات لا توصل إلى الهدف المنشود ، بل لاحظنا لاحقاً - عند الحديث عن معارِضات الأدلّة الحديثيّة - أنّ أصول بعض هذه المقاربات قد تمّت صياغتها عبر محاولات عكسيّة لها تثبت عدم الشموليّة ، كما في مثل مقاربات الخاتميّة والخلود ، والتجربة الفقهيّة والاستقراء النصّي .
2 - لم يثبت مبدأ شمول الشريعة من النصّ القرآني ، فلم نجد آية أو معطى قرآنياً واضحاً يُثبت الشمول التشريعي بالمعنى المدرسي للمفهوم ، وقد توصّلنا إلى أنّ غاية ما تسعفنا بعض
شمول الشريعة — صفحة 253
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٥٣