لقد بلغ استيعاب الحديث للتحوّلات الإسلامية مبلغاً كبيراً أن استطاع هضم واستيعاب الثقافات والحِكَم الموجودة عند الحضارات الأخرى وسائر الديانات أيضاً ، لتُصَبّ كلّها في بوتقة الحديث ، وليكون الحديث إطاراً للأفكار الدينية والخلقية في الإسلام وتطوّراته القديمة .
وفي سياق مواكبة الحديث للتطوّر التلقائي للوعي الإسلامي كانت علاقة الحديث بالأخلاق ، فتعاليم النبي كانت مواعظ أخلاقية بسيطة سرعان ما عمّقها المسلمون ، فبعد أن جاء ينهى عن الشرك الذي عرفه العرب طوّر الأخلاقيون المسلمون فكرة الشرك لتستوعب - كما يرى جولدتسيهر - كل اتصال أو تمجيد لغير الله ، ثم نحتت الأحاديث بهذا الصدد ، وجاء الرياء ليكون شركاً أيضاً ، ومثله الكبر ، وهكذا .
وتأخذ فكرة جوينبيل الأخرى وضعاً خاصاً ، حيث يذهب إلى أنّ فكرة السنّة وظهور الحديث ترجع - نسبياً - إلى عادة العرب القدماء في اتّباع سنّة آبائهم الأولين ، ولما جاء الإسلام لم يعد يمكن للمسلم أن يجعل من سنّة الآباء الأولين قدوةً ومثالًا أنموذجياً فاستبدل ذلك - ليحافظ على عادته - بسنّة الجيل الإسلامي الأول من النبي ومن حوله من الصحابة ، وهكذا عوّض المسلم الإطار المرجعي لتقليد الآباء بابتكار فكرة السنّة والعمل على جمعها والاهتمام بها .
مطالعة نقدية لنظرية ولادة السنّة عند المستشرقين
وتستوقفنا هذه الصورة التي رسمها المستشرقون ، ويمكن الحديث عن عدّة ملاحظات تتصل بها :
أولًا : لقد بنى المستشرقون الصورة التي نحتوها عن ولادة السنّة في التراث