تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
اتخذ مقالهم المذكور قرينة حالية ، وقيل : إن الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل : وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين ، ثم بينه بقوله سبحانه : * ( لما آتيتكم ) * الخ ولا يخفى أن هذا أيضاً من البعد بمكان ، وقال الشهاب : لم نر من ذكر أن الإضافة تفيد التعليل في غير كلام هذا القائل ، واختار كثير من العلماء القول الأول ، وأخذ الميثاق من النبيين له صلى الله عليه وسلم - على ما دل عليه كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه مع علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته - لا يمنع من ذلك لما فيه مع ما علمه الله تعالى من التعظيم له صلى الله عليه وسلم والتفخيم ورفعة الشأن والتنويه بالذكر ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب ، وتعظم الفائدة إذا كان ذلك الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان - كما عليه البعض - ويؤيد القول - بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من أدركه عليه الصلاة والسلام منهم به - ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ماحل له إلا أن يتبعني " وفي معناه أخبار كثيرة وهي تؤيد بظاهرها ما قلنا ، ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المطلق والرسول الحقيقي والمشرع الاستقلالي ، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعية له صلى الله عليه وسلم . وهذا وقد عدوا هذه الآية من مشكلات القرآن إعراباً وقد غاص النحويون في تحقيق ذلك وشقوا الشعر فيه ولنذكر بعض الكلام في ذلك فنقول : قال غير واحد : اللام في * ( لما آتيتكم ) * على قراءة الفتح والتخفيف - وهي قراءة الجمهور - موطئة للقسم المدلول عليه بأخذ الميثاق لأنه بمعنى الاستحلاف وسميت بذلك لأنها تسهل تفهم الجواب على السامع ، وعرفها النحاة كما قال الشهاب : بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء - إن - وغيرها لكنها غلبت في - إن - بعد تقدم القسم لفظاً أو تقديراً لتؤذن أن الجواب له لا للشرط - كقولك : لئن أكرمتني لأكرمنك - ولو قلت : أكرمك ، أو فإني أكرمك ، أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز على ما صرح به ابن الحاجب - وخالفه الفراء فيه - فجوز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأول هو المصحح وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور - وخالف فيه بعض النحاة ، قال : يجوز دخولها على غير الشرط إما مطلقاً أو بشرط مشابهته للشرط كما الموصولة دون الزائدة وقال الزمخشري في سورة هود : إنه لا يجب دخولها على كلم المجازاة ، ونقله الأزهري عن الأخفش ، وذكر أن ثعلباً غلطه فيه فالمسألة خلافية ، و - ما - شرطية في موضع نصب - بآتيت - والمفعول الثاني ضمير المخاطب ، و * ( من ) * بيان - لما - واعترض بأن حمل * ( من ) * على البيان شائع بعد الموصولة ، وأما بعد الشرطية فيحتاج إلى النقل ، ومثل ذلك القول بزيادتها لأن زيادتها بعد الموصولة أيضاً كزيادتها بعد الشرطية محتاج لما ذكر ، وأجيب بأن السمين نقل ما يدل على الوقوع عند الأئمة ، وفي " جني الداني " . ومن الناس من قال : إن ( من ) تزاد بالشروط في غير باب التمييز ، وأما فيه فتزاد وإن لم تستوف الشروط نحو لله درك من رجل ، ومن هنا قال مولانا عبد الباقي : يجوز أن تكون ( من ) تبعيضية ذكرت لبيان ( ما ) الشرطية ، أو زائدة داخلة على التمييز ، و * ( لتؤمنن ) * جواب القسم وحده على الصحيح ، ولدلالته على جواب الشرط واتحاد معناهما تسامح بعضهم فجعله ساداً مسد الجوابين ، ولم يرد أنه جواب القسم وجواب الشرط لتنافيهما من حيث إن الأول : لا محل له ، والثاني : له محل ، والقول بأن الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالأمرين باعتبارين التزام لما لا يلزم ، وجوزوا كون ( ما ) موصولة واللام الداخلة عليها حينئذ لام الابتداء ، ويشعر كلام البعض أن اللام بعد موطئة وكأنه مبني على مذهب من جوز دخول الموطئة على غير الشرط من النحاة - كما مر - وهي على هذا التقدير مبتدأ ، والخبر