تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
فيهما حتماً ، ثم إن هذا الإيتاء في الآية حقيقة على الروايتين الأوليين مجاز على الرواية الأخيرة كما لا يخفى . * ( وَلَاكنْ كُونُوا رَبَّانيِّينَ ) * إثبات لما نفى سابقاً ، وهو القول المنصوب بأن كأنه قيل : ما كان لذلك البشر أن يقول ذلك لكن يقول كونوا ربانيين ، فالفعل هنا منصوب أيضاً عطفاً عليه ، وجوز رفعه على المعنى لأنه في معنى لا يقول ، وقيل : يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك ولكن كونوا ربانيين وفسر علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس الرباني بالفقيه العالم ، وقتادة والسدي بالعالم الحكيم ، وابن جبير بالحليم التقي ، وابن زيد بالمدبر أمر الناس - وهي أقوال متقاربة - وهو لفظ عربي لا سرياني على الصحيح . وزعم أبو عبيدة أن العرب لا تعرفه ، وهو منسوب إلى الرب كإلهي والألف والنون يزادان في النسب للمبالغة كثيراً - كلحياني - لعظيم اللحية ، والجماني لوافر الجمة ، ورقباني بمعنى غليظ الرقبة ، وقيل : إنه منسوب إلى ربان صفة كعطشان بمعنى مربي . * ( بمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكتَابوَبمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) * الباء السببية متعلقة - بكونوا - أي كونوا كذلك بسبب مثابرتكم على تعليمكم الكتاب ودراستكم له ، والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتد بأحدهما بدون الآخر ، وقيل : متعلقة - بربانيين - لأن فيه معنى الفعل ، وقيل : بمحذوف وقع صفة له - والدراسة - التكرار يقال : درس الكتاب أي كرره ، وتطلق على القراءة ، وتكرير * ( بما كنتم ) * للإشعار باستقلال كل من استمرار التعليم ، واستمرار القراءة المشعر به جعل خبر ( كان ) مضارعاً بالفضل ، وتحصيل الربانية ، وقدم تعليم الكتاب على دراسته لوفور شرفه عليها ، أو لأن الخطاب الأول : لرؤسائهم ، والثاني : لمن دونهم ، وقيل : لأن متعلق التعليم الكتاب بمعنى القرآن ، ومتعلق الدراسة الفقه - وفيه بعد بعيد - وإن أشعر به كلام بعض السلف . وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ومجاهد * ( تعلمون ) * بمعنى عالمين ، وقرئ * ( تدرسون ) * بالتشديد من التدريس ، وتدرسون من الإدراس بمعناه ، ومجىء أفعل بمعنى فعل كثير ، وجوز كون القراءة المشهورة أيضاً بهذا المعنى على أن يكون المراد تدرسونه للناس . * ( وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ والنَّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) * . * ( وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخذُوا الْمَلَائِكَةَ والنَّبيِّينَ أَرْبَاباً ) * قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب - ولا يأمركم - بالنصب عطفاً على * ( يقول ) * ( آل عمران : 79 ) ، * ( ولا ) * إما مزيدة لتأكيد معنى النفي الشائع في الاستعمال سيما عند طول العهد وتخلل الفصل ، والمعنى ما كان لبشر أن يؤتيه الله تعالى ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد ، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً فهو كقولك : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي ، وإما غير زائدة بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن عبادة الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام فلما قيل له : أنتخذك رباً ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يتخذه الله تعالى نبياً ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء مع أن من يريد أن يستعبد شخصاً يقول له : ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي وعلى هذا يكون المقصود - من عدم الأمر - النهي وإن كان أعم منه لكونه أمسّ بالمقصود وأوفق للواقع ، وقرأ باقي السبعة * ( ولا يأمركم ) * بالرفع على الاستئناف ، ويحتمل الحالية ، وقيل : والرفع على الاستئناف أظهر ، وينصره قراءة * ( ولن يأمركم ) * ووجهت الأظهرية بالخلو عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي ، وبأن العطف يستدعي تقديمه على * ( لكن ) * وكذا الحالية أيضاً .