تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم عليه السلام كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا وقالوا : والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والجملة في النظم معطوفة على مجموع الشرط والجزاء ، وقيل : على الجزاء فقط ، وعطف الإنشاء على الأخبار مغتفر هنا عند المانعين ، والهمزة على التقديرين متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه للانكار ، وقيل : إنها معطوفة على محذوف تقديره - أيتولون فغير دين الله يبغون - قال ابن هشام : والأول : مذهب سيبويه والجمهور ، وجزم به الزمخشري في مواضع ، وجوز الثاني في بعض - ويضعفه ما فيه من التكلف - وأنه غير مطرد ، أما الأول : فلدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه على قولهم : أقل لفظاً مع أن في هذا التجوز تنبيهاً على أصالة شيء في شيء أي أصالة الهمزة في التصدر ، وأما الثاني : فلأنه غير ممكن في نحو * ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) * ( الرعد : 33 ) انتهى . وتعقبه الشمس بن الصائغ بأنه أي مانع من تقدير ألا مدبر للموجودات - فمن هو قائم على كل نفس - على الاستفهام التقريري المقصود به تقرير ثبوت الصانع ، والمعنى - أنتفى المدبر فلا أحد قائم على كل نفس - لا يمكن ذلك بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو - وهو أولى من تقدير البدر ابن الدماميني - أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه ، وجعله الهمزة للإنكار التوبيخي ، وعلى العلات يوشك أن يكون التفصيل في هذه المسألة أولى بأن يقال : إن انساق ذلك المقدر للذهن قيل : بالتقدير ، وإلا قيل : بما قاله الجماعة ، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار لا للحصر كما توهم لأن المنكر اتخاذ غير الله رباً ولو معه ، ودعوى أنه إشارة إلى أن دين غير الله لا يجامع دينه في الطلب ، فالتقديم للتخصيص ، والإنكار متوجه إليه أي أيخصون غير دين الله بالطلب - تكلف ، وقول أبي حيان : إن تعليل التقديم بما تقدم لا تحقيق فيه لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات ، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات ، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه غير دين الله ، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع ، ولشبه * ( يبغون ) * بالفاصلة لا تحقيق فيه عند ذوي التحقيق لأنا لم ندع توجه الإنكار إلى الذوات كما لا يخفى ، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية لحفص ويعقوب - يبغون - بالياء التحتية ، وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على معنى - أتتولون - - أو - أتفسقون ، وتكفرون فغير دين الله تبغون - وذهب بعضهم إلى أنه التفات فعنده لا تقدير ، وعلى تقدير التقدير يجيء قصد الإنكار فيما أشير إليه ولا ينافيه لأنه منسحب عليه * ( وَلَهُ أَسْلَمَ من في السَّمَاوات والأَرْض ) * جملة حالية مؤكدة للإنكار - أي كيف يبغون ويطلبون غير دينه ، والحالة هذه - * ( طَوْعاً وَكَرْهاً ) * مصدران في موضع الحال أي طائعين وكارهين ، وجوز أبو البقاء أن يكونا مصدرين على غير المصدر لأنه أسلم بمعنى انقاد وأطاع قيل : وفيه نظر لأنه ظاهر في * ( طوعاً ) * لموافقة معناه ما قبله لا في * ( كرهاً ) * والقول بأن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع ، وقد يدفع بأن الكره فيه انقياد أيضاً ، والطوع مصدر طاع يطوع ، كالإطاعة مصدر أطاع يطيع ولم يفرقوا بينهما ، وقيل : طاعه يطوعه انقاد له ، وأطاعه يطيعه بمعنى مضى لأمره ، وطاوعه بمعنى وافقه ، وفي معنى الآية أقوال : الأول : أن المراد من الإسلام بالطوع الإسلام الناشئ عن العلم مطلقاً سواء كان حاصلاً للاستدلال كما في الكثير منا ، أو بدون استدلال وإعمال فكر - كما في الملائكة - ومن الإسلام بالكره ما كان حاصلاً بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام ، الثاني : أن المراد انقادوا له تعالى مختارين لأمره - كالملائكة والمؤمنين - ومسخرين لإرادته - كالكفرة - فإنهم مسخرون لإرادة كفرهم