إلا أنّ إباء هذا الحديث عن التخصيص غير واضح ، ولم تبرز نكتة له ، فأيّ مانع من تخصيصه ببعض الأحكام المنسوخة التي لا تبلغ نسبتها إلى مجموع الأحكام الواحد أو الاثنين في المائة . نعم لو بلغت الأحكام المنسوخة حداً كبيراً جداً لأضرّ ذلك بطبيعة التعميم في الحديث .
بل يمكننا أن نضيف هنا بأنّ الحديث بصدد الإخبار عن الجعل التشريعي الثابت في الديانة المحمدية ، لكنه لا يخبرنا هل أن موضوعات تمام الأحكام ستظلّ متحقّقةً إلى يوم القيامة ، أي سيبقى المجعول العقلي ثابتاً أم لا ؟
الظاهر من الحديث هو الأول ، فهو يقول بأنّ أحكام الرقية ثابتة إلى يوم القيامة ، ما دام هناك رقيق ، أما لو زال الرقيق وانعدم وجوده بعد ألف عام من الرسالة الإسلامية إلى يوم القيامة ، فهذا لا يبطل الحديث ، وكذلك ما يتصل بأحكام السفر على الدواب أو البيوت القديمة والدور .
وهذا معناه أن القائل بالتاريخية يزعم في بعض الأحكام أنها متصلة بقيود ، غاية ما في الأمر أنّ هذه القيود لم تعد موجودة اليوم ، فمن الطبيعي أن تنتفي الأحكام على مستوى الفعلية وإن ظلّت على مستوى القانون والجعل التشريعي ، بحيث لو صار أن عادت القيود لعاد الحكم ، وهذا استمرار للحكم إلى يوم القيامة ، فالتاريخي يقول اليوم : لو عاد النظام القبلي والعشائري لأعدنا نظام العاقلة في الديات ؛ لأنّ هذا النظام مقيّد - بزعمه - بالمحيط العشائري المتماسك ، فهنا لم تلغ أبدية الأحكام ، وإنما حلّت أحكام جديدة مكان أخرى ، فالتاريخية تعيد تكويننا لموضوع الحكم ، ونظرية تبعية الأحكام لموضوعاتها تجري بعد ذلك وفقاً لنتائج الفهم التاريخي في المرحلة السابقة ، كما ذكرنا في التمييز بين تاريخية السنّة وبعض النظريات ذات الصلة .
وبهذا ظهر أنّ قاعدة الاشتراك - رغم قبولها في الجملة - لا تجري هنا بالمعنى الذي نريده من توفير قانون مرجعي عند الشك في التاريخية وعدمها ، ويبدو أنّ بعض الفقهاء فهم من قاعدة الاشتراك التعميم بلحاظ الفرد وكأنّه منعزل عن المحيط ، كما اعتبر أنّ
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 739
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٣٩