الآن بالنظرية القائلة : إن الشافعي ( 204 ه - ) هو أوّل من أسّس هذا المصطلح الجديد ونحته في التراث الإسلامي مع كتاب « الرسالة » .
نعم ، لا تعني الولادة المتأخرة لمصطلح السنّة بمعناه الجديد ، أن مقولة حجية السنّة كانت متأخرة كذلك ، كما توحيه كلمات بعض النقاد ، فهذا خلط بين أمرين :
أحدهما : واقع رؤية المسلمين لقول النبي وفعله وتقريره ، وهل كانوا ينظرون بعين التقديس والمرجعية لهذه الثلاثة أم لا ؟ سواء كانوا يسمّون ذلك سنّة النبي أو السنّة النبوية أم كانوا يطلقون على ذلك اسماً آخر أو لم يكن قد وُلد بعدُ مصطلح يختزل ويختزن هذا الثلاثيَّ النبوي .
ثانيهما : مصطلح « السنّة » الذي ورد في طائفةٍ معتدّ بها من الروايات ، وهل يعني هذا المصطلح في الثقافة الإسلامية ما قبل الشافعي ما بتنا نفهمه اليوم منه أم لا ؟
وإذا لم يكن بأيدينا دليل على الأمر الثاني ، فإن هذا ما يضيّق فرص الاستفادة الاستدلالية من النصوص التي استخدمت كلمة « سنّة » مثل الطائفة من الروايات التي نحن بصددها ، لكن ذلك لا يعني أن فكرة السنّة - بواقعها - مهما كان المصطلح الذي يستوعبها ، لم يكن لها وجود في القرن الأوّل ، وبهذا نضع ملاحظة على بعض النقاد المتأخرين الذين خلطوا بين الأمرين عندما ادعوا أن الشافعي أو غيره هو أوّل من أسّس فكرة حجية السنة « 1 » ، دون أن يقيموا شواهد تؤكّد ذلك على المستويين معاً ؛ فإن قيام الشافعي بتأسيس نظرية السنّة بما هي رؤية أصولية على أساس جعلها جزءاً من بنية النص القرآني لا مجرّد شارح كما يقول نصر حامد أبو زيد « 2 » ، لا يعني أنّ أصل اعتبار السنّة والاستناد إليها لم يكن - ولو بصوره الأوليّة الساذجة غير المعقدة نظرياً
هامش
( 1 ) لمزيد من الاطلاع حول الظهور المتأخر لمصطلح « السنّة » راجع : أبو رية ، أضواء على السنة المحمدية : 39 ؛ وعلي حب الله ، دراسات في فلسفة أصول الفقه : 551 .
( 2 ) انظر : نصر حامد أبو زيد ، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية : 117 - 118 .