لا سيما وأن هذه الروايات لا إطلاق فيها يدلّ على سنّة النبي غير القرآن ، بمعنى أنّها تفترض وجود سنّة للنبي ، لكنها لا تؤكد أنها غير تطبيق القرآن ، كما أنها ليست بصدد الحديث عن ذلك حتى نقول : إنها تشمل سنن النبي التي لا تعبّر عن الموجود - سلفاً - في النصّ القرآني .
من هنا ، نفهم المنطلق الذي ذهب إليه بعض الباحثين المتأخرين من نقّاد نظرية السنّة ، حيث قالوا : إن الحجّة في السنّة هو خصوص السيرة العملية ( السنّة العملية ) التي بلغتنا بالتواتر ، ومرجع هذه النظرية إلى مقطعين :
الأوّل : واقعي ، يفهم السنّة بمعنى السيرة العملية ، ومن ثم لا يقال عن قول الرجل : هو سنّته ، إذ لا يطلق تعبير السنّة لغةً على القول ، بل على السيرة العملية .
الثاني : ظاهري ، وهو شرط التواتر الذي مرجعه إلى إنكار حجية أخبار الآحاد ، وهذا ما بحثناه في دراسة أخرى .
وفهم السيرة والسلوك العام من كلمة السنّة هو الأصحّ لغوياً ، فلا تكون السنّة شاملةً للقول إلا قليلًا .
وعليه ، تترتّب ملاحظة تعمّق في واقعها هذه الملاحظة ، وهي :
الملاحظة الثانية : وهي أن استخدام مصطلح « السنّة » بالمعنى الذي بتنا نفهمه اليوم ، لا يُحرز عوده إلى القرن الأوّل الهجري ، كما أشار إليه غير ناقد ، بل المؤكّد هو المعنى اللغوي للكلمة ، ومن الواضح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان رمزاً للأدب ، والأخلاق ، والصفات السامية الحميدة ، كما كان ملتزماً بكتاب الله تعالى ، وهذا الخط الذي حكم حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو سيرته وسنّته ، ومعنى ذلك أن هذه الروايات لا تزيد في الدلالة على آية الأسوة والاتباع ونحوها ، وقد دلّلنا هناك - في دراستنا القرآنية - على أن جعل شخص أسوةً لا يعني حجية قوله وفعله وتقريره .
ومن هذا المنطلق نؤيد - في تحليلنا اللغوي - المقولة التي ترى أن كلمة « السنّة » بمعناها الاصطلاحي قد ولدت متأخرةً عن القرن الأوّل الهجري ، ولا نريد أن نبتّ
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 143
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٤٣