الرواية الثانية : صحيحة يعقوب بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( الغلام يلعب سبع سنين ، ويتعلّم الكتاب سبع سنين ، ويتعلّم الحلال والحرام سبع سنين ) ( الكافي 6 : 47 ؛ وتهذيب الأحكام 8 : 111 ، وفي التهذيب إضافة كلمة ( في ) قبل كلمة الكتاب ) .
هذه الرواية لا تشير إلى التأديب مباشرةً ، بل هي تتحدّث عن مراحل التعليم ، فترى أنّ الولد يترك إلى سنّ سبع سنوات ، فلا يُثقل عليه بالتعليم ، وأنّ القراءة والكتابة يبدأ تعلّمهما من سنّ السابعة ، فيما يتمّ الشروع بتعليمه الحلال والحرام اللذين يعبّران عن السلوك الصالح وغير الصالح في سنّ الرابعة عشرة ، وهذا يعني أنّ هذا الحديث لا يفرض ترك تأديب الولد في سنّ سبع سنوات فما قبل ، وإنّما يفرض ترك تعليمه ؛ لأنّ المقابلة بين الترك والتعليم تعطي قدراً متيقّناً من نظر الرواية وهدفها ، وهو التعليم ، لا مطلق التربية ، وعليه فمراحل التعليم ثلاث : تركٌ ، فتعليم الكتابة والخطّ ، فتعليم الحلال والحرام ، وإن كان تعليم الحلال والحرام يصاحبه عمليّة التوجيه المتصل بهما ؛ لأنّه يكون قد بلغ سنّ التكليف الشرعي .
ومن الواضح أنّ هذا الحديث يتكلّم عن فضاءات التعليم في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري ، وهي فضاءات بسيطة على المستوى العلمي العام ، حيث شهد التعليم ( وعامّة العلوم ) تطوّراً كبيراً في العصر العباسي فما بعد ، ولهذا يبدو لي أنّ الرواية لا تريد أن تنفي تعلّم العلوم الأخرى في مثل عصرنا ، بعد سنّ السابعة ، كما أنّ تعلّم القراءة والكتابة تطوّرت أساليبهما فقد يحصلان بمدّة أقلّ من هذا بكثير ، فليست هناك تعبّديّة حرفيّة لسبع سنوات من تعلّم اللغة والخطّ والكتابة ، ما لم نفسّر ( الكتاب ) بمعنى القرآن الكريم ، ولكنّه مستبعد .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 572
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٧٢