وبصرف النظر عن المثال الذي ذكروه فإنّه يعطي إيحاءً بأنّ موضوع الستر على الميّت هو موضوع يتصل بالجوانب الشخصيّة التي لا ترجع إلى قضيّة عامّة تمثل حقّاً عامّاً للناس ، أو تتصل بقضايا الدين التي لابدّ من حمايتها .
ومن هنا ، وجدنا أنّ علماء المسلمين تتبّعوا أحوال رواة الحديث في القرون الخمسة الهجريّة الأولى ، وانتقدوا الكثير منهم في وثاقتهم أو دقّتهم أو ضبطهم أو عدالتهم أو عقائدهم ، بل ظلّوا يتناقلون عيوبهم حتى لو لم يقتنعوا بها ، وبرّروا ذلك بأنّ الستر على العيوب يظلّ أمراً أقلّ أهميّة من تحقيق حال السنّة الشريفة التي يراد بناء الكثير من الدين على نصوصها . وهكذا تجويز الفقهاء لجرح الشهود في المحكمة وأمام القاضي ، فإنّ ذلك وإن كان كشفاً لعيوبهم ، لكنّه يصبح جائزاً لأجل المصلحة النوعية القائمة على سلامة العملية القضائيّة في المجتمع . وهكذا وجدنا أيضاً أنّ العلماء المسلمين وغيرهم عبر التاريخ قد مارسوا كشف نقاط ضعف بعضهم بعضاً في بحوثهم واستدلالاتهم ، ولم يقل أحد منهم بأنّ بيان خطأ هذا العالم في النقطة الفلانيّة هو كشف لعيبٍ وقع فيه ، بل اعتبروا أنّ تطوّر العلوم الدينية وغيرها وسلامة البحث العلمي في قضايا الدين والمجتمع ، وضمان اكتشاف الحقيقة ، أمورٌ تظلّ أهم بكثير من الستر على زيد أو عمرو في هذه القضيّة العلميّة وغيرها .
بل نحن نجد أنّ بعض الفقهاء - مثل السيد علي الخامنئي - عندما يُسأل عن انتقاد الشخصيّات التاريخيّة التي لها آثار علميّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة وأصبح أمرها متعلّقاً بعموم المجتمع ، يرى أنّ نقد آرائهم ومواقفهم وأخلاقهم وحتى جزئيّات حياتهم يظلّ أمراً شرعيّاً ما لم يقصد منه محض الانتقاص ( انظر : أحمد أبو زيد ، محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة 1 : 43 ( المقدّمة ) ، نقلًا عن الشهيد
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 518
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٨