سادساً : لعلّ مقصود المقاربة أعلاه إبطال الفكرة التي يتداولها الكثير من المؤمنين وأهل الأديان والتي توحي بأنّ الدين واضح جليّ قطعي يقيني دائماً في كلّ تفاصيله . . وأنّ كلّ من يختلف معي في الرأي فهو مغرض وقاصد للسوء . . وأنا أوافق الناقد على ذلك ، وأضمّ صوتي إلى صوته ، فالدين غير واضح دائماً ومطلقاً في كلّ قضاياه ، وهذا كلام يطلق في الهواء ، والمعطيات تخالف هذا وتجافيه ، وهناك تعقيدات كثيرة في العديد من القضايا الدينية . وتبسيطُ بعض رجال الدين للموضوع وكأنّ كل من يختلف مع قضيّة أو تفصيل ديني فهو خبيث حاقد معاند للحقّ الجليّ ، غير صحيح أبداً ، لكنّ هذا كلّه غير القول بأنّ وجود مشاكل في القضيّة الدينية يعني بطلان الدين من رأس ، وعدم إمكان الإيمان به وفقاً لقناعة يقينية مستدلَّة .
سابعاً : ما معنى ما جاء في المقاربة أعلاه من أنّ الحقائق تصدر عن المطلق ، فيما النظريات تصدر عن العقل النسبي ؟ هذا الكلام ملتبس جداً ويحتاج إلى تفكيك فلسفي ، لا شكّ أنّ المطلق - وهو الله - لا يصدر عنه إلا الحقّ باقتضاء كمال ذاته وفرض إطلاقه ، لكن هل العقل النسبي لا يصل إلى حقيقةٍ أبداً ، أو فلنقل : لا يصل إلى جزء الحقيقة ؟ إذا كان هذا الأمر صحيحاً فالمقاربة أعلاه باطلة ؛ لأنّها صدرت من عقل نسبي ، وهذا معناه ليس إبطال الدين ، بل إبطال المعرفة الإنسانية عموماً .
نعم ، من الممكن أن يقال بأنّ الدين حيث كان مختلفاً فيه فهو صدر عن عقل نسبي ، وهذا يثبت عدم صدوره من المطلق وهو الله ، ولكنّ هذه المعادلة غير صحيحة أيضاً ؛ فلا دليل على أنّ كل ما يختلف فيه فهو صادر عن عقل نسبي ، فهذه مصادرة غير مبرهنة ، هل من المحال عقلًا أن يختلف الناس في أمر حقّ
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 28
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٨