هو سفسطة ؟ وما هو الدليل ؟ رغم أنّ آخر النظريّات الإيبستمو لوجيّة ( التي يختلف معها الكثير من المتديّنين أنفسهم ) تؤكّد أنّ الحقّ يتنوّع ويتجزّأ ويتكثّر ويختلف باختلاف الفهوم بين البشر ، فهل تريد المقاربة أعلاه أن تقول لنا بأنّ الجهاز الإدراكي الإنساني لا يلعب أيّ دور في تطويع الحقيقة مهما كانت في الأصل واضحة أو إدخال أيّ تعديل عليها أو غير ذلك ؟ هل هذا يتوافق مع المعطيات العلميّة المعاصرة التي تطرح اليوم في علوم الفلسفة ( فلسفة العلم ) والنفس والاجتماع والتربية والفسلجة والهرمنوطيقا واللسانيات و . . ؟ !
لا يكفي لكي نخوض حواراً أن نطلق الكلمات جزافاً لنسدّ الطريق فقط على الآخر ، ونُسقط كلمة ( سفسطة ) على أيّ وجهة نظر تخالفنا ، يجب أن نتوقّف جيّداً عند دور القارئ والفاهم والمسافة الفاصلة بينهما وبين المقروء والمفهوم .
نعم ، إنّ الحقّ يتعدّد في الفهوم البشريّة ، وهذا قانون طبيعي تكويني ، ولا يعني تعدّده التناقضَ دوماً ، كما شرحتُ ذلك بالتفصيل في كتابي ( التعددية الدينية ) .
أضف إلى ذلك أنّ المقاربة أعلاه ألغت من الحساب الأسباب الأخرى الناشئة عن الانقسامات الدينية بل وغير الدينية ، فظنّت أنّ هذه الانقسامات لها أسباب معرفيّة فقط ، وهذا تبسيط عظيم جداً للموقف في تقديري ، ويخالف كلّ طرائق البحث المعاصرة التي تؤكّد على دور العناصر النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصاديّة والطبقيّة في خلق الأفكار أو تشويه الوقائع والحقائق ، وفي استخدام التطويع للنصوص تبعاً للمصالح .
لا أريد أن أقول بأنّ كلّ الأسباب هي هذه كما يقول بعض المتدينين ، بل أقول بأنّ بعض الأسباب تكمن هنا ولا يصحّ تجاهلها بالمطلق .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 27
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧