تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
قال تعالى :
( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ )
( التوبة : 25 ) . إنّ الاغترار بالعَدَد والعُدّة ، والمديح والثناء ، وحاجة الخلق لنا . . عناصرُ خَطِرةٌ جدّاً ، قد تفكّ علاقتنا بالله سبحانه ، لتحلّ محلّها ، فيقع السقوط المدوّي والفشل الذريع . وقد لا يكون فشلًا مادّياً ، بل يكون عبارة عن فراغ المشروع والحركة من البُعْد القِيَمي والفكري والرسالي ، لتتحوَّل إلى مجرَّد نشاطٍ فارغ سلطوي مصلحي توازني ، لا أكثر ولا أقلّ . نعم ، قد تحصل هفواتٌ وأخطاء لا تدعو إلى الإحساس بالفشل ، والتخلّي عن المشروع . فبعدما حصل للمؤمنين في حنين ما حصل قال تعالى :
( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ )
( التوبة : 26 ) . فالله دائماً يغفر مثل هذه السقطات عندما لا تتحوَّل إلى ثقافة مهيمنة ( والثقافة المهيمنة تعني مفهوماً قريباً من فكرة الإصرار على الصغائر أو الكبائر ) ، فتحرف المسيرة كلَّها عن الهدف . 6 - حذر التعملق والعدوانيّة : وقد تتحقَّق النجاحات المتتالية ، وإذا بالضعيف يصبح قويّاً ، وبالحقير يصبح عظيماً ، وبالصغير يصبح كبيراً و . . . هنا أكبر الأخطار ، وهي أنّه عندما كنّا ضعافاً فنحن أصحاب أخلاق ورؤية ودين ، أمّا عندما تقوى حركة الوعي والتغيير فهي تتخلّى عن ذلك كلّه ، إلّا لحسابات مصلحيّة دعائيّة فقط . وكأنَّ الدين والأخلاق والفكر وسائل لبلوغ السلطة ، فإذا بُلِغَت فلا قيمة لهذه الوسائل ، وإنّما نستثورها عادةً وقت الحاجة . فعندما نجاهد ونصارع للحقّ فلا يبرِّر لنا ذلك العدوان على الآخرين ؛ بحجّة أنّني أصارع الباطل ، أو لديَّ مشروعٌ صحيح وشرعي ، قال تعالى :
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )