لكونه تقييداً من غير مقيّد . . » ( الميزان 19 : 137 ) . . ما هو تعليقكم على استدلال البعض بأنّ القرآن له بطون بحسب مراتب الوجود ، وعلى القول بأنّ المسّ هو العلم الحضوري بهذا القرآن على الطريقة العرفانية ؟
* أولًا : إذا مشينا مع العلامة الطباطبائي ، فإنّ المسّ عنده يعني العلم ، وتكون النتيجة أنّ هذا الكتاب الكريم الموجود في اللوح المحفوظ وفي أمّ الكتاب لا يعلمه إلا المطهّرون ، لكنّ الآية الكريمة لا تفيد كيفية العلم ، فقد تكون بالإلهام وقد تكون بالوحي ، وقد تكون بإلقاء الأفكار والتفاسير في العقل عند التأمّل ، وقد تكون من خلال المنهج اللغوي الذي يترقّى تدريجيّاً في اكتساب المعاني ، فليس في الآية الشريفة أيّ إشارة إلى البطون القرآنية بالطريقة السائدة في الفهم الصوفي ، حتى بناء على نظريّة العلامة الطباطبائي في تفسيره هذا . فإذا كان القرآن الكريم له أصلٌ في اللوح المحفوظ الذي هو العلم الإلهي ، فإنّ العلم بهذا القرآن في حقيقته وروح مضمونه الموجود في اللوح المحفوظ يكون بتطهير النفس استعداداً لكي يلقي الله فيها المعاني بحيث تعلم حقيقة القرآن ، أمّا كيف يلقي ؟ وهل الإلقاء هو بالعلم الحضوري ؟ فهذا لا يدلّ عليه شيء هنا . والآية تريد أنّ تربط بين الطهارة والمعرفة ، من حيث إنّ طهارة القلب تجعل الإنسان مستعداً لتلقي معاني جديدة للقرآن الكريم ولو بالإلهام والإلقاء في الرّوع أو بإلقاء الفكرة في الذهن عند التأمّل . وهذا أمرٌ يقبل به الجميع ، لكن لا بمعنى أنّ غير الطاهر لا يفهم شيئاً منه ، بل بمعنى أنّ بعض أعماقه تحتاج إلى صفاء روحي لكي يتفاعل الإنسان معه ، فيلتفت إلى الأسرار التي فيه . وهذا المفهوم ليس حكراً على العرفاء كما هو واضح ، بل يكاد يكون متفقاً عليه بين المسلمين بمذاهبهم ومشاربهم .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 156
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٥٦