من غير مواضعة متقدمة ؛ وإذا سمي هذا توقيفا ؛ فليسم توقيفا وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس ؛ فقد قال ما لا علم له به . وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال . ثم هؤلاء يقولون : تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ فإذا دل اللفظ بمجرده فهو حقيقة ، وإذا لم يدل إلا مع القرينة ؛ فهو مجاز وهذا أمر متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم .
ثم يقال ( ثانيا ) : هذا التقسيم لا حقيقة له ؛ وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا فعلم أن هذا التقسيم باطل وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم ؛ فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا : " الحقيقة " : اللفظ المستعمل فيما وضع له . و " المجاز " : هو المستعمل في غير ما وضع له ؛ فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر . ثم يقسمون الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث : لغوية وشرعية وعرفية .
" فالحقيقة العرفية " : هي ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا باللغة وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوي وتارة أخص وتارة يكون مباينا له ، لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها . فالأول : مثل لفظ " الرقبة " و " الرأس " ونحوهما كان يستعمل في العضو المخصوص ثم صار يستعمل في جميع البدن . والثاني مثل لفظ " الدابة " ونحوها كان يستعمل في كل ما دب ثم صار يستعمل في عرف بعض الناس في ذوات الأربع وفي عرف بعض الناس في الفرس وفي عرف بعضهم
الإيمان — صفحة 92
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٢