ينصره : إن الذين قسموا اللفظ : حقيقة ومجازا قالوا : " الحقيقة " هو اللفظ المستعمل فيما وضع له . " والمجاز " هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار إذا أريد بهما البهيمة أو أريد بهما الشجاع والبليد . وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أولا لمعنى ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه وقد يستعمل في غير موضوعه ؛ ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أن كل مجاز فلا بد له من حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز ؟ فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال : اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له .
وهذا كله إنما يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها ؛ فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال . وهذا إنما صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما في جميع اللغات . وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائي ؛ فإنه وأبا الحسن الأشعري كلاهما قرأ على أبي علي الجبائي لكن الأشعري رجع عن مذهب المعتزلة وخالفهم في القدر والوعيد وفي الأسماء والأحكام وفي صفات الله تعالى وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه . فتنازع الأشعري وأبو هاشم في مبدأ اللغات ؛ فقال أبو هاشم : هي اصطلاحية وقال الأشعري : هي توقيفية . ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة ؛ فقال آخرون : بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي وقال فريق رابع بالوقف .
الإيمان — صفحة 86
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٦