وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى : « هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان » فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب . وروى عبد الله بن المبارك عن عوف بن أبي جميلة عن عبد الله بن عمرو بن هند عن علي بن أبي طالب قال : إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب فكلما ازداد العبد إيمانا ازداد القلب بياضا حتى إذا استكمل الإيمان أبيض القلب كله . وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب وأيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود . وقال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل . رواه أحمد وغيره وهذا كثير في كلام السلف يبينون أن القلب قد يكون فيه إيمان ونفاق والكتاب والسنة يدلان على ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شعب الإيمان وذكر شعب النفاق وقال : « من كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها » وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من شعب الإيمان ولهذا قال : « ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار وأن من كان معه كثير من النفاق فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار . وعلى هذا فقوله للأعراب : « لم تؤمنوا
الإيمان — صفحة 289
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٩